المؤمنين أو على قومهم من تسويلاتهم شيئا بعد شيء وحينا بعد حين .
وإلى هذا يشير قوله تعالى :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
« 1 » ، والمثل : الوصف ، أي لا يأتونك بوصف فيك أو في غيرك حادوا به عن الحقّ ، أو أسائوا تفسيره إلّا جئناك بما هو الحقّ فيه ، أو ما هو أحسن الوجوه في تفسيره ، فإنّ ما أتوا به إمّا باطل محض ، فالحقّ يدفعه ، أو حقّ محرّف عن موضعه ، فالتّفسير الأحسن يردّه إلى مستواه ويقوّمه .
فتبيّن بما تقدّم أنّ قوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
إلى قوله :
وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
جواب عن قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
، بوجهين ؛
أحدهما : بيان السّبب الرّاجع إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وهو تثبيت فؤاده بالتّنزيل التّدريجيّ .
وثانيهما : بيان السّبب الرّاجع إلى النّاس ، وهو بيان الحقّ فيما يوردون على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من المثل والوصف الباطل ، والتّفسير بأحسن الوجوه فيما يوردون عليه من الحقّ المغيّر عن وجهه المحرّف عن موضعه .
ويلحق بهذا الجواب قوله تلوا :
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا
« 2 » ، فهو كالمتمّم للجواب على ما سيجيء بيانه .
وتبيّن أيضا أنّ الآيات الثّلاث مسوّقة جميعا لغرض واحد ، وهو الجواب عمّا أوردوه من القدح في القرآن هذا ، والمفسّرون فرّقوا بين مضامين الآيات الثّلاث ، فجعلوا قوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
جوابا عن قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
وقوله :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
خبرا عن ترسيله في النّزول ، أو في القراءة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، من غير ارتباط بما تقدّمه .
وجعلوا قوله :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
الخ ، كالبيان لقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
، وإيضاحا لكيفيّة تثبيت فؤاده صلّى اللّه عليه وآله ، وجعله بعضهم ناظرا إلى خصوص المثل الّذي ضربوه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّ اللّه بيّن الحقّ فيه وجاء بأحسن التّفسير ، وقيل غير ذلك ، وجعلوا قوله :
هامش
( 1 ) - الفرقان / 33 .
( 2 ) - الفرقان / 34 .