تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
أوّلها : قال الطّيّبيّ : لعلّ نزول القرآن على الملك أن يتلقّفه تلقّفا روحانيّا ، أو يحفظه من اللّوح المحفوظ ، فينزل به على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فيلقيه إليه . وأنت خبير بأنّ كلمة « لعلّ » هنا لا تشفي غليلا ، ولا تهدينا إلى المقصود سبيلا ، ولا نستطيع أن نأخذ منها دليلا . ثانيها : حكى الماورديّ أنّ الحفظة نجّمت القرآن على جبريل في عشرين ليلة ، وأنّ جبريل نجّمه على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في عشرين سنة . ومعنى هذا أنّ جبريل أخذ القرآن عن الحفظة نجوما عشرين . ولكنّا لا نعرف لصاحب هذا الرّأي دليلا ولا شبه دليل . ثالثها : قال البيهقيّ في معنى قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 1 » يريد - واللّه أعلم - إنّا أسمعنا الملك وأفهمناه إيّاه وأنزلناه بما سمع . ومعنى هذا أنّ جبريل أخذ القرآن عن اللّه سماعا . وذلك فيما أرى أمثل الأقوال من ناحية أخذه جبريل عن اللّه ، لا من ناحية تأويل النّزول في الآية بابتداء النّزول . ويؤيّده ما أخرجه الطّبرانيّ من حديث النّواس بن سمعان مرفوعا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا تكلّم اللّه بالوحي أخذت السّماء رجفة شديدة من خوف اللّه ، فإذا سمع أهل السّماء صعقوا وخرّوا سجّدا ، فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل ، فيكلّمه اللّه بوحيه بما أراد ، فينتهي به إلى الملائكة ، فكلّما مرّ بسماء سأله أهلها ما ذا قال ربّنا ؟ قال : الحقّ ، فينتهي به حيث أمر » . وأيّا ما تكن هذه الأقوال ، فإنّ هذا الموضوع لا يتعلّق به كبير غرض ، ما دمنا نقطع بأنّ مرجع التّنزيل هو اللّه تعالى وحده .

ما الّذي نزل به جبريل ؟

ولتعلم في هذا المقام ، أنّ الّذي نزل به جبريل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم هو القرآن ، باعتبار أنّه الألفاظ الحقيقيّة المعجزة من أوّل الفاتحة إلى آخر سورة النّاس . وتلك الألفاظ هي كلام اللّه وحده ، لا دخل لجبريل ولا لمحمّد في إنشائها وترتيبها ، بل الّذي رتّبها أوّلا هو اللّه سبحانه وتعالى ، ولذلك تنسب له دون سواه ، وإن نطق بها جبريل ومحمّد وملايين الخلق
هامش
( 1 ) - القدر / 1 .