أخذا من آية الدّخان ، وتسمّى ليلة القدر أخذا من آية سورة القدر ، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية البقرة . وإنّما قلنا ذلك جمعا بين هذه النّصوص في العمل بها ، ودفعا للتّعارض فيما بينها . ومعلوم بالأدلّة القاطعة - كما يأتي - أنّ القرآن أنزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم مفرّقا لا في ليلة واحدة ، بل في مدى سنين عددا ، فتعيّن أن يكون هذا النّزول الّذي نوّهت به هذه الآيات الثّلاثة نزولا آخر غير النّزول على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . وقد جاءت الأخبار الصّحيحة مبيّنة لمكان هذا النّزول ، وأنّه في بيت العزّة من السّماء الدّنيا ، كما تدلّ الرّوايات الآتية :
[ ثمّ نقل الرّوايات نقلا عن الحاكم والنّسائيّ والبيهقيّ وابن مردويه بإسنادهم إلى ابن عبّاس ، كما تقدّم عن أبي شامة ، فقال : ]
هذه أحاديث أربعة من جملة أحاديث ذكرت في هذا الباب ، وكلّها صحيحة كما قال السّيوطيّ ، وهي أحاديث موقوفة على ابن عبّاس ، غير أنّ لها حكم المرفوع إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، لما هو مقرّر من قول أنّ الصّحابيّ ما لا مجال للرّأي فيه ، ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليّات ، حكمه حكم المرفوع . ولا ريب أنّ نزول القرآن إلى بيت العزّة من أنباء الغيب الّتي لا تعرف إلّا من المعصوم ، وابن عبّاس لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليّات ، فثبت الاحتجاج بها .
وكان هذا النّزول جملة واحدة في ليلة واحدة هي ليلة القدر كما علمت ؛ لأنّه المتبادر من نصوص الآيات الثّلاث السّابقة وللتّنصيص على ذلك في الأحاديث الّتي عرضناها عليك . بل ذكر السّيوطيّ : أنّ القرطبيّ نقل حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا .
وهناك قول ثان بنزول القرآن إلى السّماء الدّنيا في عشرين ليلة قدر ، أو ثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين ينزل في كلّ ليلة قدر منها ما يقدّر اللّه إنزاله في كلّ السّنة ، ثمّ ينزل بعد ذلك منجّما في جميع السّنة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم .
وثمّة قول ثالث ، أنّه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ، ثمّ نزل بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة من سائر الأزمان على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . وكأنّ صاحب هذا القول ينفي النّزول جملة إلى بيت العزّة في ليلة القدر .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 343
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٣٤٣