لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 1 » . وكان هذا الوجود في اللّوح بطريقة وفي وقت لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ومن أطلعه على غيبه . وكان جملة لا مفرّقا ؛ لأنّه الظّاهر من اللّفظ عند الإطلاق ، ولا صارف عنه ، ولأنّ أسرار تنجيم القرآن على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لا يعقل تحقّقها في هذا التّنزّل .
وحكمة هذا النّزول ترجع إلى الحكمة العامّة من وجود اللّوح نفسه ، وإقامته سجلّا جامعا لكلّ ما قضى اللّه وقدّر ، وكلّ ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتّكوين . فهو شاهد ناطق ، ومظهر من أروع المظاهر الدّالّة على عظمة اللّه وعلمه وإرادته وحكمته وواسع سلطانه وقدرته . ولا ريب أنّ الإيمان به يقوّي إيمان العبد بربّه من هذه النّواحي ، ويبعث الطّمأنينة إلى نفسه ، والثّقة بكلّ ما يظهره اللّه لخلقه ، من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه ، وسائر أقضيته وشؤونه في عباده ، كما يحمل النّاس على السّكون والرّضا ، تحت سلطان القدر والقضاء ، ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرّائها وسرّائها ، كما قال جلّ شأنه :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها * إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
« 2 » . وللإيمان باللّوح وبالكتابة فيه أثر صالح في استقامة المؤمن على الجادّة ، وتفانيه في طاعة اللّه ومراضيه ، وبعده عن مساخطه ومعاصيه ؛ لاعتقاده أنّها مسطورة عند اللّه في لوحه ، مسجّلة لديه في كتابه كما قال جلّ ذكره :
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
« 3 » .
ب : التّنزّل الثّاني للقرآن ، كان هذا التّنزّل الثّاني إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا ، والدّليل عليه قوله تعالى في سورة الدّخان 3 :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ،
وفي سورة القدر 1 :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ .
وفي سورة البقرة 185 :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ .
دلّت هذه الآيات الثّلاثة على أنّ القرآن أنزل في ليلة واحدة ، توصف بأنّها مباركة
هامش
( 1 ) - البروج / 22 .
( 2 ) - الحديد / 22 - 23 .
( 3 ) - القمر / 53 .