شرح الحكمة الأولى كان كلّ نجم ينزل من القرآن العظيم - والنّجم القسم الّذي ينزل معا آية أو آيتين أو أكثر - يزداد به عجزهم وعنادهم ظهورا وتزداد حجّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وصدقه وضوحا ، فيزداد بذلك سكون قلبه وطمأنينته بظهور أمره على عدوّه ، وعلوّ كلمة الحقّ على كلمة الباطل .
وفي ذلك تقوية له ، وأيّ تقوية ! لا عن شكّ كان في قلبه أو تردّد ولكنّ البراهين المتوالية ، والحجج المتتالية ، تزيد في سكون القلب واطمئنانه ، وإن كان معقودا من أوّل أمره على اليقين . فهذا وجه من تثبيت فؤاده بالآيات المتفرّقات في النّزول .
وقد كان كلّ نجم من نجوم القرآن ينزل بشيء من العلم والعرفان ، ممّا يرجع إلى العقائد أو الأخلاق أو الأحكام ، أو التّذكير بالأمم الماضية أو أخبار الرّسل المتقدّمين ، أو باليوم الآخر أو بسنّة اللّه في المكذّبين ، إلى غير ذلك من علوم القرآن ، فيقوى قلبه عند نزول كلّ نجم بما يكتسبه منه من معرفة وعلم .
وكان يلقى من الجهد والعناء في تبليغ الرّسالة ما تضعف عن تحمّله القوى البشريّة .
فإذا نزل عليه القرآن ، واتّصل بالملك الرّوحانيّ النّورانيّ ، وقذف في قلبه ذلك الوحي القرآنيّ ، تقوّى قلبه على تحمله أعباء الرّسالة ومشاقّ التّبليغ . ولمّا كان البلاء والعناء في سبيل التّبليغ متكرّرا متجدّدا ، كان محتاجا إلى تحديد تقوية قلبه ، وكان ذلك مقتضيا لتفريق نزول الآي عليه ، فهذه ثلاثة وجوه من التّثبيت .
حظّنا من العمل بهذه الحكمة حاجتنا إلى تجديد التّلاوة والتّدبير : قلوبنا معرضة لخطرات الوسواس ، بل للأوهام والشّكوك ، فالّذي يثبّتها ، ويدفع عنها الاضطراب ، ويربطها باليقين هو القرآن العظيم .
ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم « 1 » ومماحكات المتكلّمين
هامش
( 1 ) - لا شكّ أنّ تشكيكات الفلاسفة وافتراضاتهم ، أضرّت وشكّكت ؛ لأنّها من عمل البشر النّاقص المضطرب ، غير أنّها -