له : من هذا ؟ فيقول : جبريل ، فيقال : من معك ؟ فيقول : محمّد ، فيقال : وقد بعث إليه ؟ فيقول :
نعم » . فهذا كلام من كان عنده علم بذلك قبل ذلك .
وقد تكلّم على فائدة إنزال القرآن جملة شيخنا أبو الحسن ؛ ببعض ما ذكرناه « 1 » .
ووقفت على كلام حسن للحكيم التّرمذيّ أبي عبد اللّه محمّد بن عليّ في تفسيره ، فقال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا تسليما منه للأمّة ما كان أبرز لهم من الحظّ بمبعث محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنّ بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم كانت رحمة ، فلمّا خرجت الرّحمة بفتح الباب جاءت بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلم وبالقرآن ، فوضع القرآن ببيت العزّة في السّماء الدّنيا ليدخل في حدّ الدّنيا ، ووضعت النّبوّة في قلب محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وجاء جبريل عليه السّلام بالرّسالة ثمّ الوحي . كأنّه أراد تبارك وتعالى أن يسلّم هذه الرّحمة الّتي كانت حظّ هذه الأمّة من اللّه تعالى إلى الأمّة ، ثمّ أجرى من السّماء الدّنيا الآية بعد الآية عند نزول النّوائب ؛ قال اللّه تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 2 » ، وقال عزّ وجلّ :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
« 3 » .
وقال الشّيخ أبو الحسن في كتابه « جمال القرّاء . . . » : في ذلك تكريم بني آدم ، وتعظيم شأنهم عند الملائكة ، وتعريفهم عناية اللّه عزّ وجلّ بهم ورحمته لهم ، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لمّا أنزل سورة الأنعام أن تزفّها ، وزاد سبحانه في هذا المعني بأنّ أمر جبريل عليه السّلام بإملائه على السّفرة الكرام البررة عليهم السّلام وإنساخهم إيّاه وتلاوتهم له . . . ثمّ ساق الكلام إلى آخره « 4 » .
فإن قلت : فقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 5 » من جملة القرآن الّذي نزل جملة ، أم لا ؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة ، وإن كان منه فما وجه صحّة هذه العبارة ؟
قلت : له وجهان ؛
هامش
( 1 ) - جمال القرّاء : 5 .
( 2 ) - الأنبياء / 107 .
( 3 ) - يونس / 57 .
( 4 ) - جمال القرّاء : 5 .
( 5 ) - القدر / 1 .