تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما ، فلم يكن شيء من الأزمان تحقّق له من الظّرفيّة للقرآن ما تحقّق لشهر رمضان ، فلمجموع هذه المعاني قيل :
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ .
فإن قلت : ما السّر في إنزاله جملة إلى السّماء الدّنيا ؟ قلت : فيه تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه ، وذلك بإعلام سكّان السّماوات السّبع أنّ هذا آخر الكتب ، المنزل على خاتم الرّسل لأشرف الأمم ، قد قرّبناه إليهم لننزّله عليهم ، ولولا أنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت وصوله إليهم منجّما بحسب الوقائع لم نهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكنّ اللّه تعالى باين بينه وبينها فجمع له الأمرين ؛ إنزاله جملة ثمّ إنزاله مفرّقا . وهذا من جملة ما شرّف به نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم ، كما شرّف بحيازة درجتي الغنيّ الشّاكر والفقير الصّابر ، فأوتي مفاتيح خزائن الأرض ، فردّها واختار الفقر والإيثار بما فتح اللّه عليه من البلاد ، فكان غنيّا شاكرا وفقيرا صابرا صلّى اللّه عليه وسلم . فإن قلت : في أيّ زمان نزل جملة إلى السّماء الدّنيا ، أبعد ظهور نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم أم قبلها ؟ قلت : الظّاهر أنّه قبلها ، وكلاهما محتمل ، فإن كان بعدها ، فالأمر على ما ذكرناه من التّفخيم له ولمن أنزل عليه ، وإن كان قبلها ، ففائدته أظهر وأكثر ، لأنّ فيه إعلام الملائكة بقرب ظهور أمّة أحمد المرحومة الموصوفة في الكتب السّالفة ، وإرسال نبيّهم خاتم الأنبياء ، كما أعلم اللّه سبحانه وتعالى الملائكة قبل خلق آدم بأنّه
جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 1 » ، وكما أعلمهم أيضا قبل إكمال خلق آدم عليه السّلام بأنّه يخرج من ذرّيته محمّد وهو سيّد ولده . وعلى ذلك حملنا قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين » « 2 » ، على ما أوضحناه في كتاب « شرح المدائح النّبويّة » « 3 » ، وكان العلم بذلك حاصلا عند الملائكة . ألا ترى أنّ في حديث الإسراء « 4 » « لمّا كان جبريل يستفتح له السّماوات سماء سماء كان يقال
هامش
( 1 ) - الإشارة إلى الآية رقم 30 من سورة البقرة . ( 2 ) - شرح المواهب 1 : 55 . ( 3 ) - هو شرح لأبي شامة على « القصائد النّبويّة » لعلم الدّين السّخاويّ المتوفّى سنة 643 ه / 1245 م ، وهذا الشّرح أوّل مؤلّفاته . ( 4 ) - انظر حديث الإسراء في البخاريّ 4 : 247 ، ومسلم 1 : 99 .