وينقص قليلا قليلا ، حتى يعود كعود الكباسة القديم ، دقيقا معوجا لا يكاد يرى ، ولا يؤبه له ، بعد أن كان ملء البصر ، وملء الفؤاد ، وأنت بذلك ترى أن التشبيه الذي جاء في الآية كان له نصيب في أداء المعنى ، ولم يجئ بعد أن استوفى المعنى تمامه ، وكان دقيقا أتم دقة ، في أداء المعنى وتصويره كاملا .
أما بيت ابن المعتز الأول ، فإن التشبيه الذي أورده لا دخل له أصلا في الفكرة التي يريد نقلها إلى قارئه ، فإن كون الهلال مثل قلامة الظفر لا دخل له في أنه كاد يفضحهم ، بل على العكس يقلل من شأن الفكرة ويضعفها ، فإن هذا الهلال الضئيل الذي يشبه قلامة الظفر ، خليق به ألا يكون له أثر ما في تبديد ظلمة الليل المتكاثفة ، وخليق به ألا يفضحهم ولا يبين عن مكانهم ، وبذلك ترى أن الصلة ليست وثيقة بين شطرى البيت ، ولا بين التشبيه والفكرة التي جاء من أجلها .
وفي بيته الثاني سبق أن بينا وجوه النقص فيه « 1 » ، وتحدثنا عن أن نفاسة المشبّه به لا ترفع من شأن التشبيه ، ولا تستر ما فيه من ضعف ، وذكرنا أن انتزاع الصورة من الخيال لا يزيد المشبه وضوحا ، ولا يمنحه قوة .
أما بيته الثالث فضعيف متهالك ، لم يصور الهلال كما تراه العين ، ولا كما تحس به النفس ، ففضلا عن غفلة ابن المعتز عما يبعثه الهلال الجديد من آمال جديدة في النفس ، ووقوفه عند حد التصوير البصري لم يوفق في هذا التصوير ، فإن الهلال في نظر العين هادئ ساكن ، والمنجل في يد الحاصد متحرك في سرعة ، فكيف نتخيل الهلال منجلا يحصد ، وهو لم يتحرك ، ثم ما الصلة بين زهر الدجى وبين النرجس ، وكيف يحصد الهلال هذا الزهر ، والزهر باق في مكانه لا ينمحى ولا يزول ، والعهد بما يحصد أن يتخلى عن مكانه . ومن ذلك ترى نقص التشبيه وقصوره .
واقتصر السّرى الرفاء على التصوير البصري أيضا ثمّ فاتته الدقة عندما جعل هذه النون من اللجين غريقة في صحيفة زرقاء ، فصور لنفسك أي قدر هذه التي تشبه بها السماء ، وتأمل أهناك سبب يدعو إلى جعل هذه النون غريقة في تلك القدر الضخمة ؟ ! فالغريق يعلو ، ويهبط ، ويبدو ، ويختفى ، مما لا تراه العين في الهلال الهادي المطمئن .
وانظر ، أتجد في بيته الثاني تشبيها زادك شعورا بالهلال عندما جعله نصف طوق فضلا عن عدم دقته ؟ ! وتأمل أي صلة تربط بين السماء ولبة فتاة تلبس ثيابا زرقاء ؟ ! .
هامش
( 1 ) راجع ص 189 .