ضلال هؤلاء واضح الوضوح كله ، فإنهم قد اشتروا متاعا قليلا ينفد ، بنعيم خالد مقيم ، فلا عجب إذا رأينا القرآن ينفد رأى هؤلاء قائلا :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
( إبراهيم 3 ) . ويقول :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 17 ) ( الأعلى 16 ، 17 ) . ويهدد من يجعل همه تلك الحياة بقوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 16 ) ( هود 15 ، 16 ) .
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
( البقرة 86 ) .
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً
( الإسراء 18 ) .
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ
( الأحقاف 20 ) .
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 34 ) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
( 35 ) ( الجاثية 34 ، 35 ) .
والقرآن بذلك كله يعنف رجلين : أحدهما قد كفر باليوم الآخر ، وأنكره ، واعتقد أن ليس ثمة سوى هذه الحياة الدنيا ، فاغتربها ، ونسي اليوم الآخر وما فيه ، وذلك هو المقصود بمعظم هذه الآيات ، وقد ذكرنا أن الإيمان باليوم الآخر ، ركن أساسي من أركان الدين ، إذ الإيمان به يدفع إلى العمل الصالح رغبة أو رهبة ، وثانيهما رجل يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة ، ويجعل همه كله أن يظفر من الحياة الدنيا بأوفى نصيب ، ومثل ذلك الرجل جدير ألا يحكمه ضميره ، فيعمل ما لا يرضيه في سبيل الفوز بدنياه ، فيبعد بقدر كبير عن قوانين الإنسانية السليمة ، ولا يعنيه إلا أن ينال مآربه وآماله ، وصور لنفسك تاجرا أو صانعا أو مستخدما لا يعنيه سوى الظفر بآماله في الغنى ، ولا سلطان عليه من الإيمان بأنه محاسب يوم القيامة ، وخيل لنفسك ما يرتكبه من الآثام ، وما يلم بعمله من النقائص ، وما قد يرتكبه من ألوان الغش والتزوير ، ما دام كل هذا يدنيه من أمله في الثروة وبلوغ المناصب السامية ، فالإيمان باليوم الآخر هو الرقيب الذي يدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه ، قبل أن يحاسب يوم الدين ، وبه تستقيم شؤون الحياة ، ويخشى الناس الجزاء العادل إن هم فرطوا ، أو أساءوا .
على هذا الوجه نفهم هذا العنف الموجه إلى هؤلاء الذين يؤثرون بحبهم وجهدهم تلك الحياة الدنيا ، ولا نفهم أن القرآن يدعو إلى كراهية الحياة الدنيا ، والزهد فيها