حديث القرآن عن هذه الغزوة حديث المصلح الذي يضع هدف إصلاح نفوس الأفراد وتطهير الجماعة من أسباب ضعفها وخذلانها . وإلى هذا يهدف القرآن حين يتحدث عن الغزوات ، يعنى بالنهوض بالفرد ، فتطهر نفسه ، ويؤمن باللّه أعمق الإيمان وأصدقه ، وبالجماعة فتتلافى وسائل نقصها ، وتخلص مما يقعد بها دون الوصول إلى غايتها من النصر المؤزر والاستقرار والأمن ، يرفق في سبيل ذلك حينا ، ويقسو حينا آخر .
الإنسان المثالي
أجمل اللّه الإنسانية المثالية وما ينتظرها من الجزاء المادي والروحي في قوله سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
( 8 ) ( البينة 7 ، 8 ) . فالإنسان المثالي هو ذلك الذي يؤمن ويعمل صالحا ، وقد فصل القرآن في مواضع كثيرة هذا العمل الصالح فمنه ما يرتبط باللّه ، ومنه ما يرتبط بالناس ، ومنه ما يعود إلى الشخص نفسه .
أما ما يرتبط باللّه فأن يؤدّى فرائضه في محبة وخشوع ، ويصلى ذاكرا جلاله ، وعظمته ، وإذا أصغى إلى آيات اللّه سجد لما فيها من عظمة وحكمة قائلا :
سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
( الإسراء 108 ) ، لا يغيب ذكر اللّه عنه ، مفكرا في خلق السماوات والأرض ،
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
( 194 ) ( آل عمران 191 - 194 ) . وفي ذكر اللّه ورقابته دائما إحياء للضمير الإنسانى ، وإقامة هذا الضمير رقيبا على أعمال المرء ، فلا يفعل منفردا ما يخجل من فعله مع الجماعة ، وإذا حيى الضمير ، وقويت شوكته ، كان للإنسان منه رقيب على نفسه ، في كل ما يأتي من الأمور وما يدع ، وتربية الضمير هو الهدف الرئيسي للتربية ، والغرض الأول الذي يرمى إليه المربون .
أما صلته بالناس فصلة رفق وحب وعطف ، يفي بالعهد إن عاهد ، ويؤدى الأمانة إن اؤتمن ، ويربأ بنفسه عن اللغو ، فلا يضيع وقته سدى فيه ،
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ( 4 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ