تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 17 ) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( 18 ) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 19 ) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ( 20 ) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
( 27 ) ( الأحزاب 9 - 27 ) . أجملت الآيات في وصف نتيجة المعركة بانهزام الأحزاب ومن ظاهروهم ، إجمالا يغنى عن كل تفصيل ، ويحمل إلى النفس معنى النعمة التي أنعم اللّه بها على المؤمنين ، فقد كفاهم القتال بقوته وعزته ، ولا سيما إذا قرنت تلك النعمة بما أصاب المؤمنين من الخوف والرهبة من إحاطة الأعداء بهم ، فقد جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وزلزلوا زلزالا شديدا ، ألا ترى أن هذا الوصف الدقيق لنفسية المؤمنين وقد أحيط بهم ، وهذا الوصف الموحى المصور ، المؤذن بأن اليأس من النجاة ، كاد يستولى على النفوس ، ثم رأى المحاصرون أنه قد انجلى الغم عنهم ، ومضى الخوف إلى غير رجعة ، وأن ذلك قد تم بقدرة اللّه وحده ، وأنهم قد كفوا القتال ، وصاروا آمنين في ديارهم - ألا ترى ذلك جديرا بشكر المنعم على تلك النعمة ، التي تضؤل النعم بجوارها . وأطالت الآيات في الحديث عن هذه العوامل التي تفت في عضد الجيش الإسلامي ، والتي كانت خليقة أن تنزل به أقسى الهزائم ، وتلك هي المعوقون والمنافقون ، وكأنه بذلك يريد أن يتدبر هؤلاء موقفهم ، وأن يروا قدرة اللّه التي جلبت النصر وحدها ، من غير أن يشترك المسلمون في قتال ، فلعل في ذلك تطهيرا لقلوبهم ، وسببا لعودتهم إلى الطريق السوى ، وخير السبل ، وقد تحدث القرآن طويلا عما يعتلج في نفوسهم ، وما يبثونه من أسباب الهزيمة في صفوف المسلمين ، وحكى معتقداتهم ورد عليها في حزم . فكان