صورت الآيات الكريمة الرسول في ميدان القتال ، يرتب الجند ، ويخص كل طائفة بمكان ، ويعيّن موضع كل فريق من المعركة ، وقد همّ فريقان أن يتركا ميدان القتال ويفشلا ، ولعلهما كانا يريان أن يعودا وينتظرا العدو في المدينة ، وربما ذكر الرسول المؤمنين بنعمة اللّه إذ نصرهم ، وهم ضعاف أذلة يوم بدر ، كما أخذ الرسول يقوى روحهم المعنوية ، فيحدثهم عن تأييد اللّه لهم بالملائكة ليطمئن قلوبهم ، ويثبت أقدامهم ، وليكون ذلك وسيلة لدحر الكفار ، أو لتذكيرهم فيتوبون .
ذلك رسم لما كان في بدء المعركة ، وما قام به الرسول من دور هام في تنظيم قوى المؤمنين ، وملء أفئدتهم بالأمل وروح الإقدام .
ويمضى القرآن بعدئذ يمس جرحهم في رفق ، فينهاهم عن الوهن والحزن ، ويعدهم بالفوز إذا كان الإيمان الحق يملأ قلوبهم ، ويحدثهم بأنهم إن كانوا قد أصيبوا فقد أصيب عدوهم بمثل ما أصيبوا به ، وكأنه يقول لهم : إن القوم برغم ما أصيبوا به ، لم يهنوا ولم ييأسوا ، بل جاءوا إليكم مقاتلين .
ويحدثهم عن السر في انتهاء المعركة بما انتهت به ، وأن ذلك وسيلة لتبين المؤمن الحق ، وتمحيصه عن طريق اختباره ، فليس دخول الجنة من اليسر بحيث لا يحتاج إلى اختبار قاس ، كهذا الاختبار الذي عانوه في معركة القتال ، ثم ينتقل بعدئذ يقرّ في نفوسهم أن الأجل أمر مقدور لا سبيل إلى تقديمه أو تأخيره ، وأن كثيرا من الأنبياء حدث لأتباعهم هزائم لم تضعف من عزيمتهم ولم تؤد بهم إلى الوهن والضعف والاستكانة ، وهو بذلك يضرب لهم المثل الواجب الاقتداء ، وبالصبر سيظفرون كما ظفر من سبقهم .
ويعود بعد ذلك متحدثا عن سبب الهزيمة ، فيبين أنهم كانوا خلقاء بالنصر ، وأن اللّه قد صدقهم وعده ، وأراهم ما يحبون ، ولكنهم فشلوا وتنازعوا في الأمر فمنهم من أراد الظفر بالغنيمة ، ومنهم من كان يريد الآخرة ، فكانت النتيجة هزيمة ، فرّوا على إثرها مولين ، لا يلوون على شئ ، والرسول يدعوهم إلى الثبات ، ويصف القرآن طائفة منهم قد تغلغل الشك في نفوسهم ، فمضوا يظنون باللّه غير الحق ، ويقولون : لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا ، فيرد عليهم القرآن في رفق بأن الأجل مقدر ، وأن من كتب عليه القتل لا بدّ ملاقيه ، ثم يسبغ اللّه عفوه على من فر في ميدان القتال ، غافرا له زلة دفعه إليها الشيطان .
ويكرر القرآن مرة أخرى فكرة إصابتهم ، وأن أعداءهم قد أصيبوا من قبلهم ، وأن سبب هذه الهزيمة راجع إلى أنفسهم ، كما سبق أن حدثهم عن فشلهم
من بلاغة القرآن — صفحة 246
مساهمون: احمد احمد بدوي
ص٢٤٦