وتنازعهم ، وأن هذا الاختبار ليتبين من آمن ، ومن نافق ، هؤلاء الذين ثبطوا عن القتال حينا ، والذين زعموا أن الجهاد في سبيل اللّه هو الذي دنا بآجال من قتلوا ، والقرآن يرد عليهم في إفحام قائلا :
فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( آل عمران 168 ) .
ويختم حديثه مسهّلا عليهم قتل من قتل في سبيل اللّه بأنه شهيد حي عند ربه يرزق ، فرح بما أوتى من فضل اللّه ، مستبشر بمن سيلحق به من المجاهدين ، مبتهج بحياة لا خوف فيها ولا حزن .
كانت سمة هذا الحديث الطويل الرفق في الخطاب واللين في العتاب ، يريد بذلك تأليف القلوب ، وجمع الأفئدة ، وربما جر العنف إلى أن تجمع النفوس ، وتتشتت الأهواء ، في وقت كان الإسلام فيه أحوج ما يكون إلى الألفة وجمع الشمل ، حتى إن الفارين أنفسهم وجدوا من عفو اللّه ما وسعهم بعد أن استزلهم الشيطان .
وسمة أخرى واضحة في تلك الآيات الكريمة وهي خلق الأمل في القلوب وإبعاد شبح اليأس ومرارة الهزيمة من النفوس ، وقد رأينا كيف ضرب لهم الأمثلة بمن مضوا ممن قاتلوا مع النبيين ، وأثار فيهم نخوة ألا يكونوا أقل قوة من أعدائهم الذين أصيبوا أشد من إصابتهم ، ومع ذلك لم يهنوا ولم يضعفوا ، وملأ قلبهم طمأنينة على من قتل من أحبابهم ، فقد أكد لهم حياتهم حياة سعيدة ، وبذلك كله مسح على قلوبهم ، ومحا بعفوه آلام المنهزمين منهم ، وأعد الجميع لتحمل أعباء الجهاد من جديد بنفوس مشرقة ، وقلوب خالصة ، يملؤها الأمل ويحدوها الرجاء في ألا تقصر في قتال ، أو يدفعها زخرف الحياة الدنيا فتنصرف إليه ، ناسية الهدف الرئيسي الذي تركت من أجله الوطن والأهل والولد .
وتحدث القرآن حديثا طويلا عن غزوة الأحزاب ، إذ قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( 11 ) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ( 12 ) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ( 13 ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً ( 14 ) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا ( 15 ) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 16 ) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ