بالعير أو بقريش ، وأنهم كانوا يؤثرون أخذ العير لسهولة ذلك عليهم ، ولكن اللّه قد دفعهم إلى الخروج لا للظفر بالغنيمة ، بل ليكون ذلك تمهيدا للتمكين للدين ، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل .
ها هو ذا جيش المسلمين يسير بقلب واجف ، وفؤاد مضطرب ، يستمد المعونة من اللّه ، ويستغيث به ، ويطلب منه النصر ، واللّه يستجيب له ، ويعده بأن يمده بالملائكة ، ليطمئن قلبه ، وتسكن نفسه ، وتثبت قدمه ، وها هو ذا الأمن يملأ أفئدة الجند ، فيجد النوم سبيله إلى عيونهم ، وتجود السماء بالماء ، فلا يتسرب الخوف من العطش إلى نفوسهم ، واللّه يلقى الأمن والسكينة في قلوبهم ، فيقبلون على القتال ، في جرأة وبسالة وإقدام ، يتزعزع لها قلب العدو ، ويمتلئ قلبه بالرعب والذهول ، والمسلمون ماضون في عنف ، يضربون الأعناق ، ويبترون الأكف ، فلا تستطيع حمل السلاح ، وذلك جزاء عناد المشركين للّه ورسوله .
ويتخذ القرآن من تلك المعركة درسا ، ويرى أن النصر إنما كفل بهذا الإقدام المستميت ، فيحذرهم إذا لاقوا العدو أن يفروا من ميدان القتال ، وينذرهم إذا هم فعلوا ، بأقسى ألوان العقوبات ، وشر أنواع المصير ، يذكرهم بأن اللّه هو الذي أمدهم بهذه القوة التي استطاعوا بها هزيمة عدوهم ، وكأنه ينبئهم بأنهم ليس لهم عذر بعد اليوم ، إذا هم أحجموا عن الجهاد ، وخافوا لقاء العدو .
ويمضى القرآن بعدئذ منذرا الكافرين ، مهددا إياهم ، بشر مصير إن هم فكروا في إعادة الكرة ، أو غرتهم كثرتهم ، ومتجها إلى المؤمنين يأمرهم بطاعة الرسول ، بعد أن تبينوا أن الخير فيما اختار ، والنجح فيما أشار به وأمر .
والقرآن في حديثه عن هذه الغزوة قد اتجه أكثر ما اتجه إلى رسم نفسية المقاتلين ، والتغلغل في أعماقها ، لأن هذه النفسية هي التي تقود خطا المجاهدين ، وتمهد الطريق إلى النصر أو الهزيمة ، كما اتجه إلى ما يؤخذ منها من تجربة وعظة .
وإذا كانت غزوة بدر قد انتهت بالنصر فإن غزوة أحد قد انتهت بإخفاق بعد نصر كان محققا ، وقد سجل القرآن تلك الغزوة في قوله :
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 )
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 ) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 )