تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الْغافِلُونَ
( الأعراف 179 ) . أوليس الغافل أشبه شئ بالجماد ، وبم يصير الإنسان إنسانا بغير عقله وإدراكه . ومن حطب جهنم كذلك جند إبليس الذين كانوا يغوون الناس ويضلونهم ،
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 )
( الشعراء 94 - 95 ) . كما يقذف في النار أولئك الآلهة التي كانوا يعبدون من دون اللّه ، وهنا يوجه القرآن أنظارهم إلى أن ما يعبدونه لو كان يستحق أن يكون إلها ما صح أن يلقى في نهار جهنم خالدا فيها ، إذ يقول :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ( 98 ) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ
( 99 ) ( الأنبياء 98 ، 99 ) . ويصوّر القرآن شدّة لهيب هذه النيران بضخامة ما يتطاير منها من الشرر ، فهو ليس بذرات صغيرة كهذه الذّرّات التي تتصاعد من نار هذه الحياة الدنيا ، ولكنه شرر كجذوع الشجر الضخم ، أو الجمال الصفر ،
إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
( 33 ) ( المرسلات 32 ، 33 ) . فليترك المجال للخيال ، يتصوّر هذه النيران تلقى مثل هذا الشرر . هذه النيران الملتهبة يسمع لظاها من مدى بعيد ، فكأنما تبدى غيظها مما اقترفه هؤلاء الجناة ، واستمع إليه يصوّر ذلك في قوله :
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 6 ) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 ) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
( الملك 6 - 8 ) . أو لا تحس في هذا التصوير بقوة غضب النيران يملؤها ، حتى لتكاد تضيق به وتنفجر ، وفي هذه النيران ذات اللظى ، يتنفسون لهبها
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
( هود 106 ) . وليصوّر خيالك هذا اللهب يتنفسون منه ويزفرون ، ليصوّر خيالك هذه النيران تحيط بالعصاة من فوقهم ومن تحت أرجلهم ،
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 55 ) ( العنكبوت 54 ، 55 ) . فهي مهادهم ، ومنها غطاؤهم ، وليصوّر الخيال هذه الوجوه تتقلّب في النيران ، والرؤوس تنزع منها شواها ، وهذه الأجسام تتخذ ثيابها من النار ،
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
( الحج 19 ) . وهذه الجلود كلما احترقت وصهرت ، استبدلت بجلود أخرى ، ليبدأ عذابهم من جديد ،
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
( النساء 56 ) . وهكذا لا يجدون في وسط هذه النيران ظلا يحسون عنده ببرد الراحة ، اللهم إلا ظلّ دخان قد تفرق وانتشر شعبا ، فصار ظلا
لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ
( المرسلات 31 ) .
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
« 1 »
( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
( 44 ) ( الواقعة 41 - 44 ) . ويظلون في هذا العذاب
هامش
( 1 ) دخان .
من بلاغة القرآن — صفحة 232 | احمد احمد بدوي