إلى أن هذا الرضوان من اللّه أكبر من هذه اللذائذ حين قال :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( التوبة 72 ) . أرأيت أن القرآن لم يغفل الجانب الروحي في الإنسان ، جانب السرور بمغفرة اللّه ورضوانه ، وأنه لم يغفل غرائز الإنسان التي تندفع إلى طلب اللذائذ واجدة في هذه الملذات سعادتها وهناءتها ، ولو أن القرآن اقتصر على وصف اللذة الروحية ، كان في ذلك الاتجاه انحراف عن الطريق الطبيعي الذي تسير فيه الطبيعة الإنسانية السليمة .
النار
أما جهنم فقد أعدت
لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
( 23 ) ( النبأ 22 ، 23 ) . ويقال لهم وقد كبكبوا فيها :
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
( 15 ) ( الطور 14 ، 15 ) . وقد أجاد القرآن في تصويرها تصويرا يبعث الرهبة في النفوس والهلع في القلوب ، والخوف من أن يكون المصير إليها ، فتلجأ إلى العمل تتقى به لظاها ، وتتخذه ستارا بينه وبين لفحها ، وإذا كان عرض الجنة عرض السماوات والأرض ، وكان من السعة بحيث يشعر أهلها بالطلاقة والحرية أنى ساروا ، فعلى العكس من ذلك النار فإن ساكنها لا يحس بحرية ولا طلاقة ، ولكنه يحس بالضيق ، وكأني بأهل النار يرصّ بعضهم رصّا إلى جوار بعض ، لا يكادون يجدون متسعا للحركة ولا الانتقال ، ويزيد من ضيقهم أنهم مقيدون في السلاسل ، مقرنون في الأغلال ، يسحبون على وجوههم ويلقون في النار ،
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
( الفرقان 13 ) .
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
( 72 ) ( غافر 71 ، 72 ) . وليس ذلك لضيق في النار ، ولكن للتضييق على ساكنها ، أما النار فتسع أكثر من داخليها ،
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
( ق 30 ) .
وتلتهب نيران جهنم بوقود من الناس الطغاة والحجارة ، وإن الصلة لوثقى بين أهل النّار والحجارة ، فإنّ أهل النار لا يميّزهم من الحجارة ، ما يمتاز به الناس من العقل والإدراك والحسّ ، بل لقد ألغوا عقولهم ، فلم يفهموا بها الحق والصواب ، ولم يفكروا بها التفكير السليم المنتج ، وألغوا أعينهم ، وآذانهم ، فلا يهتدون بما يرون ولا بما يسمعون ،
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ