تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
إلى أن هذا الرضوان من اللّه أكبر من هذه اللذائذ حين قال :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( التوبة 72 ) . أرأيت أن القرآن لم يغفل الجانب الروحي في الإنسان ، جانب السرور بمغفرة اللّه ورضوانه ، وأنه لم يغفل غرائز الإنسان التي تندفع إلى طلب اللذائذ واجدة في هذه الملذات سعادتها وهناءتها ، ولو أن القرآن اقتصر على وصف اللذة الروحية ، كان في ذلك الاتجاه انحراف عن الطريق الطبيعي الذي تسير فيه الطبيعة الإنسانية السليمة .

النار

أما جهنم فقد أعدت
لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
( 23 ) ( النبأ 22 ، 23 ) . ويقال لهم وقد كبكبوا فيها :
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
( 15 ) ( الطور 14 ، 15 ) . وقد أجاد القرآن في تصويرها تصويرا يبعث الرهبة في النفوس والهلع في القلوب ، والخوف من أن يكون المصير إليها ، فتلجأ إلى العمل تتقى به لظاها ، وتتخذه ستارا بينه وبين لفحها ، وإذا كان عرض الجنة عرض السماوات والأرض ، وكان من السعة بحيث يشعر أهلها بالطلاقة والحرية أنى ساروا ، فعلى العكس من ذلك النار فإن ساكنها لا يحس بحرية ولا طلاقة ، ولكنه يحس بالضيق ، وكأني بأهل النار يرصّ بعضهم رصّا إلى جوار بعض ، لا يكادون يجدون متسعا للحركة ولا الانتقال ، ويزيد من ضيقهم أنهم مقيدون في السلاسل ، مقرنون في الأغلال ، يسحبون على وجوههم ويلقون في النار ،
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
( الفرقان 13 ) .
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
( 72 ) ( غافر 71 ، 72 ) . وليس ذلك لضيق في النار ، ولكن للتضييق على ساكنها ، أما النار فتسع أكثر من داخليها ،
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
( ق 30 ) . وتلتهب نيران جهنم بوقود من الناس الطغاة والحجارة ، وإن الصلة لوثقى بين أهل النّار والحجارة ، فإنّ أهل النار لا يميّزهم من الحجارة ، ما يمتاز به الناس من العقل والإدراك والحسّ ، بل لقد ألغوا عقولهم ، فلم يفهموا بها الحق والصواب ، ولم يفكروا بها التفكير السليم المنتج ، وألغوا أعينهم ، وآذانهم ، فلا يهتدون بما يرون ولا بما يسمعون ،
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ
من بلاغة القرآن — صفحة 231 | احمد احمد بدوي