تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧

الجنة

تحدث القرآن كثيرا عن الجنة وما فيها من النعيم ، الذي ينتظر من آمن وعمل صالحا ، وعندما أراد أن يقرّب إلى أذهاننا سعة هذه الجنة وضخامتها ، قال :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
( آل عمران 133 ) . ولما كان العرض عادة أضيق من الطول ترك للخيال أمر تصور طول يكون عرضه السماوات والأرض ؛ وقد أعد في هذه الجنة مساكن وصفها القرآن بأنها طيّبة ، تطيب فيها الحياة ، ويسعد فيها المقيم . عنى القرآن أكثر ما عنى وهو يتحدث عن الجنة بأن الأنهار تجرى من تحتها ، فكثيرا ما تسمع فيه هذا الوصف الذي ورد في قوله سبحانه :
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( التوبة 89 ) . ولا ريب أن للأنهار منظرا يروق العين ، ويثلج النفس ، ويهيج القلب ، فضلا عن أن الماء يوحى بمعنى الحياة والاطمئنان إليها ، وليست هذه الأنهار الجارية مياها متدفقة فحسب ، ولكنها أنهار متنوعة بين ماء عذب ، ولبن سائغ ، وخمر شهى ، وعسل صاف ،
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
( محمد 15 ) . ومن هذه الأنهار يعب الشاربون كما يشاءون . ولا يكتفى القرآن بذكر هذه الأنهار الجارية فيها ، بل يحدثنا عن العيون المتفجرة في أرجائها ، ولتفجر العيون في النفس أثره المبهج السار . ويعيش أهل الجنة في جو لا يؤذيه حر الشمس ولا قوة البرد ،
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
( الإنسان 13 ) . ولكنها ظل ظليل لا يمحوه وهج الشمس ، وقد أكثر القرآن من الحديث عن ظلّ الجنة ، فقال مرة :
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا
( النساء 57 ) . وقال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ
( المرسلات 41 ) . وقال :
أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
( الرعد 35 ) . وقال :
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها
( الإنسان 14 ) . وقال :
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ
( يس 56 ) . والظل مما تجد النفس عنده الطمأنينة ، وتشعر لديه بالهدوء والغبطة يلجأ إليه السائر في حرّ الظهيرة ، فيجد راحة نفسه وهدوء قلبه ، وكأن