تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 107 ) ( آل عمران 106 ، 107 ) . ويصف القرآن هذه الوجوه في موضع آخر ، فيقول :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
( 42 ) ( عبس 38 - 42 ) . وتتعدد المناظر في هذا اليوم الحافل ، فهذا قد حوسب حسابا يسيرا ، وانقلب إلى أهله مسرورا ، وذاك قد أوتى كتابه وراء ظهره ، فعاد خاسرا يدعو ثبورا ، وهذه طائفة قد اشترت بعهد اللّه وأيمانهم ثمنا قليلا ، فأعرض اللّه عنهم ،
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( آل عمران 77 ) . وتلك طائفة قد بخلت بما آتاهم اللّه من فضله ، فيصهر ما بخلوا به ، ويطوّقونه ، وهذا أعمى قد أعرض عن ذكر اللّه في الدنيا ،
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
( 126 ) ( طه 124 - 126 ) . وهؤلاء أناس قد اسودّت وجوههم لكذبهم على اللّه ، وهؤلاء مجرمون قد قرنوا في القيود والأصفاد ، قد لبسوا سرابيل من قطران ، وتغشى وجوههم النار ،
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
( 72 ) ( غافر 71 ، 72 ) . وهؤلاء ضالّون
فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
( الإسراء 97 ) . وهؤلاء كفار قد ملأهم الذهول فشخصت أبصارهم في رعب وخوف . ومن أكثر الصور تأثيرا في ذلك اليوم صورة هؤلاء المجرمين ، وقد نكسوا رؤوسهم عند ربهم قائلين :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
( السجدة 12 ) . ولكن أنى يستجاب لهم ، أو يسمع دعاؤهم . أو ليس من الخير أن يبادروا إلى الإيمان في الدنيا ، حيث ينفع الإيمان قبل أن يقفوا هذا الموقف اليائس ، وقبل أن يجابوا بأن يقال لهم :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( السجدة 14 ) . وإن الأسف ليشتد بهؤلاء حين يرون العذاب ، فيتمنون أن تكون لهم كرة ليكونوا من المحسنين ، وذلك إنذار بما يترقبهم من يأس قاتل ، من الخير ألا يضعوا أنفسهم في مكانه . ومن أشد هذه الصور تأثيرا كذلك هذا التقاطع الذي يتم بين المشركين بعضهم وبعض ، وبينهم وبين ما كانوا يشركون من دون اللّه ، ف
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
( الزخرف 67 ) . ثم قيل لهم :
من بلاغة القرآن — صفحة 225 | احمد احمد بدوي