تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
والتعجب من أن بعضهم لا ينصر بعضا ، كما كان شأنهم في الدنيا ، بل إن بعضهم يسأل بعضا ، ويبرأ بعضهم من بعض ، ويؤكد القرآن مرة أخرى معنى انصراف كل إنسان إلى نفسه ، وعنايته بأمره فحسب ، إذ يقول :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) ( عبس 34 - 37 ) .
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( النحل 111 ) .
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
( البقرة 48 ) . في هذا اليوم الذي حشر فيه الناس جميعا ، وشغل كل فرد فيه بنفسه عمن عداه ، تتراءى للمرء أعماله ، ويعود إلى ذاكرته ما قدم من خير ، أو سوء ، ويقرأ هذه الأعمال مسجلة عليه ، فهو يقرأ في كتاب منشور ، والقرآن يعرض عرضا مؤثرا من يرى نفسه قد قدم خيرا ، ومن يرى الشر غالبا عليه ، فيقول :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
( 31 ) ( الحاقة 19 - 31 ) . ويعجب الكفار من دقة الإحصاء والتقييد ،
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
( الكهف 49 ) . وتوزن الأعمال وتنال تقديرها ،
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ
( 11 ) ( القارعة 6 - 11 ) . وينزل إلى أغوار النفوس عندما ترى أعمالها ، فما تراه من خير تسفر به وجوهها ،
وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
( آل عمران 30 ) . وتشتد الحسرة بمن كفر حسرة تملك قلبه ،
وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
( النبأ 40 ) .
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
( النساء 42 ) . ويصور تصويرا ناطقا ما يشعر به من خسر عمله من تفاهة الحياة الدنيا ، فيتمنى أن له كان قد قدم من العمل الصالح ما يستفيد به في هذه الحياة الباقية التي يشعر بها الحياة الحقة الدائمة ،
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 )
( الفجر 23 ، 24 ) . لا عجب إذا أن تفصح الوجوه عما تحس به النفوس ، وأن نرى وجوها تتلألأ ابتهاجا ونورا ، ووجوها قد خبا ضوؤها ، وأظلمت ،
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ