تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وأما السماء فإنها تطوى كما يطوى السجل كتابا ، فلا تعود ترى بناء محكما ، كما نراها بأعيننا في هذه الحياة الدنيا ، بل تصبح بيّنة الفجوات ظاهرة الشقوق ، ومما يزيد الأمر هو لا هذا الغمام المتكاثف يمور في السماء مورا يبعث الرهبة والفزع
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
( الأنبياء 104 ) . و
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
( الفرقان 25 ) . و
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( الطور 9 - 11 ) . ويلف الكون ظلام دامس ، فالكواكب تنتثر لا رابط بينها ، ولا اتّساق ينظمها ، والشمس ينمحى ضوؤها ، فتصبح كرة مظلمة لا يشع منها نور يضيء أرجاء الكون ، وتنكدر النجوم التي كانت تبدو في السماء كأنها مصابيح ، فينطمس نورها ، ولما فقدت الجاذبية بين الكواكب انتثرت في الجو ، ويملأ النفس رعبا أن ترى الشمس والقمر قد اقترنا مجتمعين ، لا ضوء لهما ولا بهجة ،
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ
( 2 ) ( الانفطار 1 - 2 ) . و
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 ) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
( 2 ) ( التكوير 1 ، 2 ) .
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 ) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 ) كَلَّا لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
( 12 ) ( القيامة 7 - 12 ) . في هذه الظلمة الحالكة يخرج الناس من أجداثهم في سرعة وهلع ، أما الأبصار فخاشعة ، وأما القلوب فواجفة ، يذهلهم ما لم يكونوا قد ألفوه من كون قد تبدّل وتغير ، يخرجون في كثرة بالغة جماعات جماعات
كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ
( القمر 7 ) .
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
( المعارج 43 ) . يسيرون على غير هدى ، وكأنهم يهربون من الظلمة ، أو يفرون مما يرونه أمامهم من مناظر تبعث الرعب ، وتثير المخافة . ولا يلبثون أن يدعوا إلى الحساب ، حتى يسرعوا إلى الدّاعى متهافتين ، كما يتهافت الفراش المبثوث ، ظنا منهم أن سوف يجدون عنده الأمن والطمأنينة . ولا تشعر النفوس وقد خرجت من أجداثها ، بأنها قضت وقتا طويلا تحت أطباق الثرى ، بل كأنها قد غادرت الدنيا منذ وقت قصير ،
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
( النازعات 46 ) . ويزيد النفوس رهبة أن يمدوا أبصارهم فيروا النار تتلظى ، وقد اشتد أوار لهبها ،
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
( النازعات 36 ) . فلا عجب أن بعث هذا اليوم في النفوس هولا ورهبة ، فشعرت به عابسا مكفهرا ، وأن تبلغ القلوب فيه الحناجر اضطرابا وخوفا ،
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ
( غافر 18 ) . وأن