مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( غافر 57 ) . وتنتهى الآيات بتصوير قدرة اللّه ، يستجيب لها الكون في خضوع وسرعة ، فلا يلقى اللّه أمرا حتى يخضع الكون لأمره ، ولا يلبث أن يقول لشئ كن ، حتى يتحقق ويكون . وفي سورة أخرى يؤكد قدرته على جمع عظام المرء وتسوية أدق ما فيه من هذه العظام ، وهي عظمة البنان ، فيتساءل متعجبا ، ثم يجيب في تأكيد :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ( 3 ) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
( 4 ) ( القيامة 3 ، 4 ) .
ويقرّب القرآن أمر البعث إلى نفوسهم ، فيوجه أنظارهم إلى الأرض الميتة ينزل عليها الماء ، فتنبعث فيها الحياة ، وتنبت من كل زوج بهيج ، فيقول :
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( فصلت 39 ) . ويقول :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ
( فاطر 9 ) . وإذا كانوا يرون هذه الظاهرة في كل حين ، فمن المعقول أن يكون لها شديد التأثير في نفوسهم ، لقربها منهم ، وقوة دلالتها على قدرة اللّه على بعث الحياة في الجماد الميت .
وحفل القرآن بكثير من صور هذا اليوم ، يرسم الطبيعة فيه والناس : أما الأرض فإنها تميد تحت الأقدام مزلزلة مرتجفة ، تنشقّ في كل مكان ، مخرجة أثقالها ، ويقف الإنسان في ذهول ودهشة يتعجب : ما لهذه الأرض قد خرجت على طبيعتها الهادئة ، فثارت تلك الثورة المريعة ؟ ! وتظل الأرض تلفظ ما بداخلها ، تنبئ بأنها تفعل ما تفعل بأمر اللّه الذي أوحى بذلك لها ،
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ( 3 ) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
( 5 ) ( الزلزلة 1 - 5 ) . وأما الجبال فتصبح في هشاشة الصوف
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
( القارعة 5 ) . ثم لا تلبث أن تنمحى من فوق صفحة الأرض ، فتصبح مستوية لا عوج فيها ولا ارتفاع ،
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 )
( طه 105 - 107 ) . وتتفجر البحار ، وتتبعثر القبور مخرجه ما استودعته من أشلاء البشر ،
وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ( 4 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
( 5 ) ( الانفطار 3 - 5 ) . ويشتد ارتجاج الأرض وارتجافها ، حتى لينكرها الإنسان ، ويجف لها قلبه ، ويراها أرضا غير ما ألف ، وتربة مضطربة لا عهد له بها من قبل ،
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
( المزمل 14 ) .
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( إبراهيم 48 ) .