قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
( التوبة 29 ) . وسرّ العناية باليوم الآخر أن الإيمان به يعدّ الدعامة الأولى في بناء الدين كله ، وإذا انهار هذا الأساس انهار الدين ، فلم يعد له من بقاء ، فعقيدة المرء في الحساب وأنه مجزىّ بعمله ، على الخير والشر ، هي التي تدفعه إلى التفكير السليم ، كي يصل إلى العقيدة الصحيحة التي يؤمن بها ، وإلى العمل الصالح واجتناب مساوئ الأمور ، كي يجزى على الخير بالحسنى ، ويتّقى أليم العذاب ، ولو أن عقيدة البعث قد انمحت ، ما كان للفضيلة سلطان على نفوس الجماهير يقودها ، رهبة ورغبة ، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ
( النمل 4 ) . وقوله سبحانه :
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
( النحل 22 ) . ولما كان لليوم الآخر هذه الأهمية في بناء الدين ، عنى القرآن بغرس عقيدته في النفوس ، وتصويره منذ أول عهد الدعوة ، ولهذا كان أكثر الحديث عنه في السور التي نزلت بمكة .
وقد دلل القرآن في مواطن كثيرة على أن اليوم الآخر آت لا ريب فيه ، يبرهن على ذلك بقدرته على خلق هذا العالم وما فيه ،
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) وَالْجِبالَ أَوْتاداً ( 7 ) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ( 8 ) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ( 9 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ( 11 ) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ( 12 ) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ( 13 ) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 ) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً
( 16 ) ( النبأ 6 - 16 ) . بل يؤيد مقدرته على البعث بما هو معروف لدينا ، من أن إعادة ما عمل العامل أسهل عليه من بدء العمل ، فيقول :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
( الروم 27 ) . ويقول
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) ( يس 78 - 82 ) . فأنت تراه هنا يعجب من هذا الذي ينكر البعث ناسيا بدء خلقه ، وأنه لم يكن شيئا مذكورا ، فأخذ يتساءل من يستطيع أن يحيى العظام البالية ، فأجابه القرآن في يسر بأن الذي أنشأها أول مرة هو الذي يحييها ، وهو عالم بكل صغيرة وكبيرة ، في الخلق ، ففي مستطاعه أن يعيد ما بدأ خلقه ، أوليس هذا القادر على أن يخلق النار من الشجر الأخضر الملئ بالماء قادرا على أن يعيد خلقهم ؟ أوليس من خلق السماوات والأرض وهي بهذه الفخامة والإحكام قادرا على أن يخلق مثل هذا الإنسان الحقير الضئيل ،
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ