أما سورة الفرقان فيراد به هنا القرآن ، كما أنه في مواضع أخرى يطلق على كتب اللّه ، لأنها تفرق بين الحق والباطل ، والصواب والخطأ .
ولعل « 1 » بدء هذه السورة بقوله سبحانه :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( الفرقان 1 ) . فيه دلالة على أنها تحوى إنذارا ووعيدا وتهديدا ، وحقا لقد اتسمت هذه السورة بالرد المنذر على كثير من دعاوى المنكرين لأحقية القرآن ورسالة محمد ووحدانية اللّه ، وقد بدأها بالحديث عن منزل القرآن ، وتفرده بالملك وتعجبه من أن
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
( الفرقان 3 ) . وبدأ بعد ذلك يعدد مفترياتهم على القرآن وتشكيكهم في رسالة محمد ، ثم يتعمّق في السبب الذي دفعهم إلى إنكار القرآن ونبوة محمد ، فيراه التكذيب باليوم الآخر ، وكأنما غضبت جهنم لهذا التكذيب ، حتى إنها
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
( الفرقان 12 ) .
ويمضى في تصوير ما ينتظرهم في ذلك اليوم من مصير مؤلم موازنا بين ذلك ، وبين جنة الخلد التي وعد المتقون ، ثم يعود إلى أكاذيبهم ، فيردّ على بعضها ، ويبسط بعضها الآخر ، واضعا إلى جانب هذه الأكاذيب ما ينتظرها من عقوبة يوم الدين ، وهنا يلجأ إلى التصوير المؤثر ، يرسم به موقفهم في ذلك اليوم ، علّه يردهم بذلك إلى الصواب ، إذا ذكروا سوء المغبة ؛ وتأمل قوة تصوير من ظلم نفسه بهجر القرآن وتكذيبه ، في قوله :
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا ( 29 ) وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 )
( الفرقان 27 - 30 ) . ويعود مرة إلى شبهة من شبهاتهم في القرآن فيدحضها وينذرهم بشر مكان في جهنم ، ويعدد لهم عواقب من كذب الرسل من قبلهم . ثم يأتي إلى إثم آخر من آثامهم باستهزائهم بالرسول الذي كاد يصرفهم عن آلهتهم ، لولا أن صبروا عليها ، وهنا يناقشهم في اتخاذ هذه الآلهة التي لا يصلح اتخاذها إلها إذا وزنت باللّه الذي يعدد من صفاته ما يبين بوضوح وجلاء أنهم
يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ
( الفرقان 55 ) . ويطيل القرآن في تعداد صفات اللّه وبيان مظاهر قدرته . وإذا كانت السورة قد مضت تنذر المنكرين وتعدّد آثامهم ، فإنها قد أخذت تذكر كذلك صفات المؤمنين الصادقين ، ليكونوا إلى جانبهم مثالا واضحا للفرق بين الصالح والطّالح ، ولتكون الموازنة بينهما
هامش
( 1 ) في تحليل هذه السورة نموذج آخر لوحدة السورة والارتباط بين آياتها .