تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
من كثير الآيات التي تدعو الرسول إلى الصبر ، وتحثه عليه ، ولا ريب أن دعوة دينية جديدة تتطلب زادا لا ينفد من الصبر على المكروه حتى تنجح وتؤتى ثمارها . أما المنهج الذي رسمه القرآن ، لكي ينهجه محمد في دعوته ، فقد بينه في قوله :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( النحل 125 ) . وتلك هي خطة الإقناع التي تتألف القلوب وتستهوى الأفئدة . ولكي أكمل الصورة التي رسمها القرآن لمحمد صلوات اللّه عليه ، أضعه بين صحبه الذين أخلصوا له ، فهم رحماء فيما بينهم ، أشداء على أعدائهم ، قد أخذ أمره بهم يشتد ، كما يشتد الزرع إذا أخرج براعمه ، فيصبح مرآة باعثا الزراع على الإعجاب به ، فهم بين يدي اللّه يبتغون رضوانه ، وأمام أعدائهم قوة لا يستهان بها ، ترى تلك الصورة في قوله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
( الفتح 29 ) .

القرآن

هو العلم الخاص بهذا الكتاب الذي نزل على محمد ، لم يشركه غيره من كتب اللّه في هذا الاسم ، وقد اختار الكتاب العزيز له من الصفات ما يوضّح رسالته ، والهدف الذي نزل من أجله ، فهو
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
( البقرة 97 ) .
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
( البقرة 185 ) .
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
( آل عمران 138 ) .
هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ
( فصلت 44 ) .
يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
( الأحقاف 30 ) .
أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً
( 2 ) ( الكهف 1 ، 2 ) . فرسالة القرآن الأساسية هداية الناس إلى الحق وطريق الصواب ، وتبشير المهتدى وإنذار الضال ،
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
( 10 ) ( الإسراء 9 ، 10 ) . وإذا كان الكتاب قد أنزل للهداية صحّ وصفه بأنه شفاء ، أليس هو بلسما يبرئ أدواء القلوب ، ودواء لعلل النفوس ،
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( الإسراء 82 ) . وصح وصفه بأنه كالمصباح ، يخرج الناس من الظلمات إلى النور ،