ذلك ، سجل القرآن ما قابله به أهل الكتاب والمشركون ، من كفر به وإنكار له ، أما بعض أهل الكتاب فقد مضوا يكابرون ، منكرين أن يكون اللّه قد أنزل كتابا على إنسان ، وما كان أسهل دحض هذه الفرية بما بين أيديهم من كتاب موسى ، يبدون بعضه ويخفون الكثير منه ، قال سبحانه :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
( الأنعام 91 ) . ولم يزد الكثير من أهل الكتاب نزول القرآن إلا تماديا في الكفر وشدة في الطغيان ،
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
( المائدة 68 ) . وقالوا إن محمّدا يتعلم القرآن من إنسان عليم بأخبار الماضين ، وكان من السهل أيضا إبطال تلك الدعوى ، فإن هذا الذي زعموه يعلمه ذو لسان أعجمي ،
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
( النحل 103 ) . ثم زعموا أنه إفك اختلقه ، وأعانه على إتمامه سواه ممن يعرفون أساطير الأولين ويتقنونها ، وهنا يرد القرآن في هدوء بأن هذه الأسرار التي في القرآن ، والتي ما كان يعلمها محمد ولا قومه ، إنما أنزلها الذي يعلم أسرار السماوات والأرض ،
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
( 6 ) ( الفرقان 4 - 6 ) . ونزلوا في المكابرة إلى أعمق درك ، فزعموا مرة أن ليس ما في القرآن من أخبار سوى أضغاث أحلام ، وحينا زعموا أنه قول شاعر ، وأن القرآن لا يصلح أن يكون آية قاطعة كآيات الرسل السابقين ،
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
( الأنبياء 5 ) . ولم يتحمل القرآن الرد على دعوى أضغاث الأحلام لتفاهتها ، ووضوح بطلانها ، ولكنه نفى أن يكون القرآن شعرا بوضوح الفرق بين القرآن والشعر ، الذي لا يليق أن يصدر من محمد ، وجعلوا القرآن سحرا من محمد ، لا صلة للّه به ، وهنا يبين القرآن مدى مكابرتهم ، فيقول :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
( الأنعام 7 ) .
ومضى بعض الناس يذيع الأحاديث الباطلة ليضل عن سبيل اللّه ، ويصم أذنيه عن سماع القرآن مستكبرا مستهزئا به ، والقرآن يغضب لموقف هؤلاء شديد الغضب ، وينذرهم كما استهزءوا ، بعذاب يهينهم ويؤلمهم ،
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ