تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( 42 ) أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 44 ) ( الفرقان 41 - 44 ) . وهو هنا أيضا ينتقل إلى صميم الدعوى ، فيتحدث عن اتخاذهم الهوى إلها ، وأنهم لا يستخدمون آذانهم وعقولهم فيما خلقت لأجله ، فصاروا بذلك أضل سبيلا من الأنعام . ويهوّن القرآن على الرسول أمر الاستهزاء به وتكذيبه ، فحينا يخبره بأن ذلك دأب الرّسل ، يكذّبون برغم ما يجيئون به من البينات والهدى ، ويؤكد له مرة بأن هؤلاء الساخرين سينالهم ما نبّئوا بنزوله بهم ، وكانوا يسخرون ولا يطيعون ، فيقول للرسول :
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
( آل عمران 184 ) .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( الأنعام 10 ) . وينذر القرآن المكذبين والمستهزئين بأن عاقبتهم كعاقبة من كذّب الرسل من قبل : أخذ شديد وعقاب أليم ، وهنا يلجأ القرآن إلى غريزة المحافظة على النفس ، فيصوّر رفض الدعوة والتكذيب لها معرّضا أنفسهم للتهلكة ، وجالبا الوبال عليها ، فما ذا تكون النتيجة إذا هم أصرّوا على كفرهم ؟ أضمنوا أعمارا طويلة ، يصلحون فيها ما كانوا قد أفسدوه ؟
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
( الأعراف 185 ) . أأمنوا مكر اللّه ؟ أم اطمأنوا إلى أن القيامة لن تأتيهم فجأة ؟
أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( يوسف 107 ) . إنهم بنهيهم عنه ، ونأيهم عنه لا يضرون إلا أنفسهم ولا يهلكون غيرها ،
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( الأنعام 26 ) . ولن يضرّ الرسول بكفرهم ،
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ
( النحل 82 ) .
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
( الشورى 48 ) . أو ليس في قصر أمر الرسول على البلاغ ، ما يدفعهم إلى التفكير في أمر هذه الدعوة التي لن يحمل عبء أضرار رفضها غيرهم ، والتي يتحمّل الرسول المشاق في سبيل إذاعتها ، لا يبغى من وراء ذلك أجرا ، ولا يريد إلا أن تصل الهداية إلى قلوبهم ،
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
( سبأ 47 ) . وإن في تنزّه الرسول عن الغرض المادىّ ، وإخلاصه في دعوتهم وإرشادهم ، لبعثا لهم على تدبر أمر هذه الدعوة المبرأة من الهوى والغرض ، والنفس بطبيعتها تنقاد لمثل هذه الدعوة وتؤمن بها . وقد دعاهم القرآن إلى التفكير في شأن الرسول ،