ألا ترى أن نزول الملك كما اقترحوا لا يدع لهم فرصة التفكير بعد نزوله ، ومن الخير أن يترك لهم مجال التدبّر وتقليب الأمر على وجوهه ، وإنزال الملك لن يحل المشكل ، لأنه سيكون في هيئة رجل ، ويلتبس الأمر كما لو كان الرسول رجلا والقرآن برغم ذلك ، يوحى بأن الرسول كانت عنده رغبة ملحة في أن يحقق لهم بعض ما اقترحوه ليؤمنوا ، ولتجتمع كلمتهم على الدين ، حتى صحّ للقرآن أن يقول للرسول :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ
( الأنعام 35 ) .
ويقول في أخرى :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
( هود 12 ) .
وكانت صفة البشرية حائلة دون الايمان به ، ومدعاة للهزء بالرسول والسخرية به ،
فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
( القمر 24 ) .
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
( المؤمنون 34 ) . وقد رد اللّه تلك الدعوى بأن الحكمة تقضى بأن الرسول يكون من جنس المرسل إليهم ، ليكون أدنى إلى نفوسهم ، يألفونه ويسهل اتصالهم به ، ولو أن في الأرض ملائكة يسكنونها ، ما أرسل اللّه إليهم رسولا ، سوى ملك من جنسهم ، قال سبحانه :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
( 95 ) ( الإسراء 94 - 95 ) .
وعندما تعرّض القرآن للاستهزاء بالرسول ، كان لا يعنيه كثيرا الردّ على ما يتعلق بشخص الرسول ، بل ينتقل مباشرة إلى صميم الدعوى يناقشهم فيها ، ويحدثهم عن مغبّة كفرهم ، قال تعالى :
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ( 36 ) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
( 40 ) ( الأنبياء 36 - 40 ) . ألا تراه قد مرّ مرّ الكرام باستهزائهم بالرسول ، وكأنه لغو لا يؤبه له ، ولا يستحق الالتفات إليه ، ولا التّنبّه لشأنه ، وانتقل من ذلك إلى الحديث عما يعنى القرآن بشأنه ، من الحديث عن اللّه واليوم الآخر ، وما ينتظرهم من عذاب كان جديرا به أن يصرفهم عن التمادي في الباطل ، لو أنهم فكروا في الأمر وتدبّروا العاقبة ، ويقول في موضع آخر :
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا