تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
الحديث الذي دار بين إبراهيم وهذا الملك الذي ادعى أنه إله ، إذ يقول :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( البقرة 258 ) . وأرشد القرآن إلى أن العقل السليم والفطرة المستقيمة يرشدان إلى وجود اللّه ويدلّان على وحدانيته ، فهذا إبراهيم قد وجد قومه يتخذون أصناما آلهة ، فلم ترقه عبادتهم ، فمضى إلى الكون يلتمس إلهه ، فلما رأى نورا يشع ليلا من كوكب في الأفق ظنه إلها ، ولكنه لم يلبث أن رآه قد أفل ، فأنكر على نفسه اتخاذ كوكب يأفل إلها ، إذ الإله يجب أن يكون ذا عين لا تغفل ولا تنام ، وهكذا أعجب بالقمر ، واستعظم الشمس ، ولكنهما قد مضيا آفلين ، فأدرك إبراهيم أن ليس في كل هؤلاء من يستحق عبادة ولا تقديسا ، وأنّ اللّه الحق هو الذي فطر السماوات والأرض ، واستمع إلى القرآن يصوّر تأمل إبراهيم في قوله :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( الأنعام 74 - 79 ) . كان الإيمان باللّه ووحدانيته ، أساس الدين الإسلامي ، وقد رأينا كيف عنى القرآن بإبراز صفاته التي تتصل بالإنسان خالقا له ، ومنعما عليه ، وعالما بكل صغيرة وكبيرة تصدر منه ، وقريبا منه أقرب إليه من حبل الوريد ، ورحيما به ، عادلا لا يظلمه ، ولا يغبنه ، يهبه الرزق ، ويمنحه الخير ، ويجيبه إذا دعاه . أوليس من له هذه الصفات الكاملة جديرا من الناس بالعبادة والتقديس والتنزيه عن النقص والإشراك ؟

محمد

رسم القرآن لمحمد صورة محبّبة إلى النفوس ، فيها لين ورقة ، وفيها الخلق المثالي ، والقلب الرؤوف الرحيم ، والنّفس الوادعة المطمئنة ، نزل عليه روح من أمر اللّه ، يهدى إلى الصراط المستقيم ، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ، يقول اللّه تعالى يخاطبه :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً
من بلاغة القرآن — صفحة 204 | احمد احمد بدوي