وسوف نكمل الحديث عن ذلك في فصل اليوم الآخر .
ومن أظهر صفات اللّه في القرآن علمه ، وإحاطة علمه بكل شئ في الأرض وفي السماء
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( يونس 61 ) . ويقول على لسان لقمان لابنه :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
( لقمان 16 ) . أرأيت هذا التصوير المؤثر لإحاطة علم اللّه بكل شئ ، فلا يغيب عنه موضع ذرّة بين طيات صخرة أو في طبقات السماوات ، أو في أعماق الأرض ، ويعلم اللّه الغيب ، ومن ذلك ما يرونه بأعينهم في كل يوم من أمور غيبيّة ، يدركون أنها مستورة عليهم ، مع قرب بعضها منهم ، إذ يقول :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
( لقمان 34 ) .
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
( طه 7 ) . واقرأ هذا التصوير الشامل لعلمه في قوله :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( الأنعام 59 ) . وهكذا يصور القرآن شمول علم اللّه تصويرا ملموسا محسا .
ومن أظهر صفاته كذلك شدة قربه إلى الناس ،
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( المجادلة 7 ) . وأمر الرسول بأن يخبر الناس بقربه ، يسمعهم ويصغى إليهم إذا دعوا ، فقال :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
( البقرة 186 ) . ولا يستطيع فرد أن يعيش بعيدا عن عينه ،
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
( الحديد 4 ) . بل هو أقرب شئ إلى الإنسان ، يعلم خلجات نفسه ، ويدرك أسراره وخواطره لا يغيب عنه منها شئ ،
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
( ق 16 ) .
والعدل ، وقد أطال القرآن في تأكيد هذه الصفة ، وأكثر من تكريرها ، فكل إنسان مجزى بعمله
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
( غافر 31 ) .
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( فصلت 146 ) . ويقرر في صراحة
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( يونس 44 ) . و
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
( النساء 40 ) .
وإن في تقرير هذه الصفات وتأكيدها لدفعا للمرء إلى التفكير قبل العمل ، كي لا يغضب اللّه العالم بكل صغيرة وكبيرة تصدر منه ، والقريب إليه قربا لا قرب