تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
أشد منه ، وفي تأكيد صفتي العلم والقرب ما يبعث الخجل في الإنسان من أن يعمل ما يغضب اللّه وما حرمه ، وفي تأكيد صفة العدل ما يبعث على محاسبة النفس لأن الخير سيعود إليها ثوابه ، والشر سيرجع عليها عقابه . وكان وصف القرآن للّه بالرحمة والرأفة والحلم والغفران والشكر ، أكثر من وصفه بالانتقام وشدّة العذاب ، بل هو عندما يوصف بهما ، تذكر إلى جانبهما أحيانا صفات الرحمة ؛ فكثيرا ما يكرر القرآن معنى قوله :
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
( البقرة 143 ) . وقوله :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
( النساء 110 ) . وأكّد هذا الوصف حتى قال :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( الأنعام 54 ) .
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
( المؤمنون 118 ) .
أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
( الأعراف 155 ) . ويفتح باب رحمته وغفرانه ، حتى لمن أسرف ولج في العصيان ، إذ يقول :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( الزمر 53 ) . وبذلك كانت الصورة التي رسمها القرآن مليئة بالأمل والرجاء ، تحيى في النفس التفاؤل ، كما أن كثرة وصفه بالرحمة وأخواتها ، تجعل عبادة اللّه منبعثة عن الحب ، أكثر منها منبعثة عن الرهبة والخوف ، ولكن لما كان كثير من النفوس يخضع بالرهبة دون الرغبة وصف القرآن اللّه بالعزة والانتقام وشدة العذاب ، يقرن ذلك بوصفه بالرحمة حينا ، ولا يقرنها بها حينا آخر ، فيقول مرة :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( المائدة 98 ) .
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
( غافر 3 ) .
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ
( فصلت 43 ) . ويقول أخرى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
( الحشر 7 ) .
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
( المائدة 95 ) .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
( آل عمران 4 ) .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ
( الزمر 37 ) . وبرغم وصفه بالعزّة والانتقام والجبروت كانت الصفة الغالبة في القرآن هي الإنعام والرحمة والتّفضّل وأنه الملجأ والوزر ، يجيب المضطرّ إذا دعاه ، ويكشف السوء ، وينجّى في ظلمات البرّ والبحر ، فهي صورة محبّبة إلى النفوس ، تدفع إلى العبادة ، عبادة من هو جدير بها ، لكثرة فضله وخيره وإنعامه . وأفحم القرآن من ادّعى الألوهية من البشر إفحاما لا مخلص له منه ، وذلك في
من بلاغة القرآن — صفحة 203 | احمد احمد بدوي