ولنحلل سورة من القرآن ، نتبين فيها منهجه ، وندرك مدى تأثير هذا المنهج في النفس الإنسانية .
ففي سورة المزمل ، والهدف منها تهيئة الرسول للدعوة ، وإعداده لما سيلقاه في سبيلها من متاعب ومشاق ، بدئت السورة بنداء الرسول ، وتكليفه بما يعده لحمل أعباء الرسالة ، فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا ( 6 ) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ( 7 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
( 9 ) ( المزمل 1 - 9 ) . ألا تراه يعدّه بهذه الرّياضة النفسية الشاقة لتحمل أعباء الرسالة المضنية فليمض الليل أو جزءا منه في التهجد وقراءة القرآن ، استعدادا لما سيلقى عليه من تكاليف شاقة ثقيلة ، وإنما أمر الرسول بالتهجّد في الليل ؛ لأن السهر فيه أشق على النفس ، ولكنها تخلص فيه للّه ، وتفرغ من مشاغل النهار وصوارفه ، وأمر بذكر اللّه ، والإخلاص له تمام الإخلاص ، فهو رب المشرق والمغرب ، لا إله إلا هو .
بعد هذا الإعداد بالرياضة أراد أن يوطنه على تحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة والصبر عليه ، وينذر هؤلاء المكذبين بما سيجدونه يوم القيامة من عذاب شديد ، وهنا يجد المجال فسيحا لوصف هذا اليوم وصفا يبعث الرهبة في النفس ، والخوف في القلب ، عساها تكف عن العناد ، وتنصاع إلى الصواب والحق ، ولا ينسى أن يضرب المثل من التاريخ لمن كذّب وعصى ، كي يكون عظة وذكرى ، فقال :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا ( 10 ) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ( 11 ) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً ( 12 ) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً ( 13 ) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا ( 14 ) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ( 15 ) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا ( 16 ) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
( 18 ) ( المزمل 10 - 18 ) .
فأنت ترى الانتقال طبيعيّا من توطين الرسول على الأذى ، ثم بعث الطمأنينة إلى نفسه بأن اللّه سيتكفل عنه بتأديب المكذبين ، بما أعده اللّه لهم من عذاب أليم يوم القيامة ، وتأمل ما يبعثه في النفس تصور هذا اليوم الذي ترتجف فيه الأرض ، وتنهار الجبال فيه منهالة ، وينتقل إلى الحديث عن عاقبة من كذب بالرسل من أسلافهم ، ثم يتجه إليهم ، موجّها لهم الخطاب يسألهم متعجبا ، عما أعدوه من وقاية لأنفسهم يصونونها بها من هول يوم يشيب الطفل فيه من شدته ، وحسبك أن ترفع