تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦

الاستفهام

ورد الاستفهام في القرآن الكريم على أصل معناه ، وهو طلب الفهم ومعرفة المجهول ، كما في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
( الأعراف 187 ) . وقوله :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( الشعراء 23 ) ، وقوله :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
( المائدة 112 ) ، وقوله :
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
( البقرة 69 ) ، وقوله :
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
( البقرة 68 ) ، وذلك الاستعمال كثير في القرآن ، وأكثر منه أن يخرج الاستفهام عن أصل وضعه ، لمعان أخرى تفهم من سياق الكلام . فمن ذلك الإنكار ومعنى الاستفهام حينئذ معنى النفي ، وما بعده منفى ، ولذلك تصحبه إلا ، ويعطف عليه المنفى ، ويكون معناه في الماضي معنى لم يكن ، وفي المستقبل معنى لا يكون ، ومن ذلك قوله تعالى :
قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
( الشعراء 111 ) ، و
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
( المؤمنون 47 ) ، و
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ
( الأحقاف 35 ) . و
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
( النجم 22 ) . و
أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
( هود 28 ) ، و
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً
( الإسراء 40 ) . و
فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
( آل عمران 22 ) . ولعل السر في جمال أسلوب الاستفهام هنا ، والعدول إليه عن أسلوب النفي ، هو أن الاستفهام في أصل وضعه يتطلب جوابا يحتاج إلى تفكير ، يقع به هذا الجواب في موضعه ، ولما كان المسؤول يجيب بعد تفكير وروية عن هذه الأسئلة بالنفي ، كان في توجيه السؤال إليه حملا له على الإقرار بهذا النفي ، وهو أفضل من النفي ابتداء . ومنها التوبيخ على فعل وقع ، وكان الأولى ألا يقع ، أو على ترك فعل ما كان ينبغي ألا يقع ، ومن ذلك قوله تعالى :
أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ
( الصافات 125 ) . وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
( النساء 97 ) ، والاستفهام هنا كذلك يثير في النفس التفكير ويدفعها إلى تدبر الأمور حتى تقتنع بتفكيرها الخاص ، بأنه ما كان ينبغي أن يقع ما وقع ، أو كان الصواب أن يقع ما لم يقع .