كيف استطاع الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يكوّن من عرب الجزيرة أمة تحمل رسالة وتنشئ حضارة وتصنع تاريخا كأنه ضرب من الأساطير ؟ .
وكيف خلقت رسالة الإسلام من الفرقة وحدة ، ومن الضعف قوة ، ومن الأمية علما ، ومن البداءة حضارة ، ومن الجهل حلما . ذلك سر القرآن ، وعمل منهجه التربوي في تقويم النفوس والأمم ، لا بد من معرفة الميزان الذي توزن به الدعوات ، هل توزن الدعوة بميزان القوة والاندفاع والاتساع .
عناصر الرسالة : عقيدة وعبادة وتشريع ، فالعقيدة أصل وفطرة ، والعبادة صلة وتربية ، والتشريع أمن ونظام ، وجوهر الرسالة : خلق وإحسان ، ووسيلتها قدوة وتربية ، وأولى ميادينها : النفس والضمير .
ومن ثم كان هدفها إقامة مجتمع إنساني نظيف في عقيدته ، وعلاقاته ، ومشاعره وسلوكه ، تبدأ بالفرد فترده إلى فطرته السليمة ، وتربى فيه الضمير المرهف الحساس ، وتروضه على الخلق الفاضل الكريم ، وتقيم الأسرة على المودة والفضل والرحمة ، وتكون المجتمع على الحب والتكافل والعدل ، وتنظم العلاقات بين المجتمعات على أساس الوفاء والحق .
وتربية القرآن شاملة لا تعنى مفهومها المألوف ، فهي لا تقتصر على المسجد أو المعهد ، ولا تختص بالعبادة دون السلوك ، أو تهتم بالفرد وتترك المجتمع ، أو تعنى بالعقيدة وتهمل العمل ، إنما تشمل كل جوانب النفس ، وتعمل في كل ميادين الحياة .
وعلى هذا الأساس من الشمول يقوم منهج القرآن في التربية ، إذ كان الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وصحابته حريصين على تربية الأمة تربية قرآنية وإقامة الدولة على أساس قرآني سليم .
وهكذا يمضى المؤلف محمد شديد في كتابه ( منهج القرآن في التربية ) في فصول كتابه ، فيتحدث في جولة مع الرعيل الأول عن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - والدعوة ، واستمرار التربية الإسلامية بعد العهد المكي ، ثم يعرض لمناهج التربية الحديثة وعدم مضارعتها منهج الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكيف أن العقوبة وحدها لا تكفى في دور التربية ، ثم يبين كيف حرمت الخمر ، ويبين موقف الثلاثة الذين خلفوا وكيف عوقبوا ، ويبين الضمير ودوره في التربية ، ثم يعرض لاختيار الخليفة بعد وفاة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ثم ينتقل إلى
من المكتبة القرآنية — صفحة 148
مساهمون: يوسف حسن نوفل
ص١٤٨