البحث « 1 » . ويجرى أبو علي الفارسي في هذا المضمار إلى أبعد الآماد فيمزج نحوه بمسائل النطق وبحوثه وقضاياه ، ويقضى في هذه الفلسفات والتعليلات سبعين عاما « 2 » كما يقول تلميذه ابن جنى ، وهكذا يتحول النحو من القطرة إلى الفطنة « 3 » ، وفي مقابسات أبى حيان - وهو معاصر لأبى على الفارسي - بحوث تعرض فيها لما بين النحو والمنطق من المناسبة « 4 » ولم صار الظرف المخصوص بالزمان أكثر من الظرف المخصوص بالمكان « 5 » ، وفي الطبيعة وكيف هي عند أهل النحو واللغة « 6 » . وبعد أن أورد أبو حيان ثلاث مقابسات متصلات بالنحو والمنطق قال : « وبهذا يتبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمى بك إلى جانب النحو ، والبحث من النحو يرمى بك إلى جانب المنطق ، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحويا والنحوي منطقيا « 7 »
ولا يعنيني في هذا البحث الإشارة إلى أن هذه الموجة الفلسفية قد انحسرت على يد ابن مضاء القرطبي في القرن السادس الهجري « 8 » ، لأن ذلك خارج عن نطاق العصر الذي عاش فيه أبو علي الفارسي ، والمهم تسجيل النشاط النحوي ، ومعالمه الكبرى ، وما تحمله هذه المعالم من دلائل حتى أبو علي ، لأمضى في درسه على نحو من التفصيل الدقيق .
كذلك كان من نشاط النحويين تهذيب ألفاظ السابقين ، وإزالة ما فيهما من الغموض والتعقيد « 9 » واختصار كتب الأقدمين تيسيرا على المتعلمين فكان هناك مختصر الجرمي ، « 10 » ومختصر ابن شقير « 11 » .
* * * وبجانب نشاط النحويين في التأليف ، كان نشاطهم في التدريس ، في هذه الحلقات
هامش
( 1 ) انظر الفصل الخاص بذلك .
( 2 ) الخصائص : 1 / 285 .
( 3 ) الامتاع : 2 / 139 .
( 4 ) المقابسات مقابسة : 13 / 161 .
( 5 ) المقابسة 23 .
( 6 ) المقابسة : 34 / 174 .
( 7 ) المقابسات 177 .
( 8 ) انظر كتاب الرد على النحاة 8 - 9 .
( 9 ) انظر الزجاجي في مقدمة كتابه ايضاح علل النحو .
( 10 ) انظر طبقات الزبيدي : 77 .
( 11 ) انظر نزهة الألباء : 169 .