التي كانوا يعقدونها منذ سعد الرابية « 1 » إلى يونس بن حبيب « 2 » ومن تلاهما من النحاة حتى الفارسي في حلقاته التي كان يعقدها الدرس في البصرة ، وشيراز ، وبغداد ، وحلب ، وغيرها من البلاد التي تنقل فيها وأملى مسائله المشهورة المنسوبة إلى هذه البلاد .
* * * وكان من مظاهر النشاط النحوي هذه المناظرات التي دارت بين النحاة في وقت مبكر ، حتى أن يزيد بن الحكم الذي عاش زمن عبد الملك بن مروان يهجو النحويين فيقول :
إذا اجتمعوا على ألف وواو * وياء ، هاج بينهم جدال « 3 »
ويروى قتال بدل جدال « 4 » . وكان في بغداد مجلس يعرف بمجلس النحويين « 5 » ومن هنا ألف المؤلفون كتابا بامم المجلس . ويبدو أن التناظر كان فيصلا بين المتناظرين ، وسبيلا إلى تعرف وجه الحق فيما عليه يختلفون . قال الزجاجي في مقدمة كتابة إيضاح علل النحو » ومن سمت نفسه إلى تتبع ما أود عناه إياه ، وسميناه فيه وفحصه والكشف عن حقائقه فحقيق عليه إن مر به ما ينكره أن يراجع فكره ويتبين قريحته ويحرك خاطره ، ليقف على ما لعله قد انستر عنه ! ولا يحكم من أول وهلة بخروج عن الحق ، فإن هو فعل ذلك وتدبره ، ولم يره ينقاد في طريقة القياس مستمرا ورأى أنه لا حق إلا في غيره - كانت حلبة التناظر باجتماع ذوى الهمم والنظر والفحص والجدل معنا فيها فاصلة بيننا وبينه ، حتى نصير معا بحق النظر إلى الصواب فنعتقده جميعا ، لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، ولم يعر خلق من السهو والغلط ، والكمال للّه عز وجل ، والنقص شامل للمخلوقين « 6 »
وقد دعا إلى هذه المناظرات أحيانا ما كان بين المتناظرين من اختلاف في المذاهب النحوية ، كما وقع بين عيسى بن عمر « 7 » والكسائي « 8 » وبين سيبويه ، والكسائي
هامش
( 1 ) سيبويه امام النحاة 133 وبغية الوعاة 253 .
( 2 ) الفهرست 63 ونزهة الألباء 32 .
( 3 ) خزانة الأدب : 108 .
( 4 ) درة الغواص : 106 .
( 5 ) انظر معجم الأدباء : 19 / 123 .
( 6 ) مقدمة ايضاح علل النحو للزجاجى .
( 7 ) انظر وفيات الأعيان : 3 / 145 في ترجمته عيسى بن عمر .
( 8 ) طبقات الزبيدي : 38 .