ويحدثنا المقرى في نفح الطيب أن ابن خيرون أبا عبد اللّه محمد بن محمد ( وقيل محمد ابن عمر ) الأندلسي ( ت 356 ه ) رحل إلى المشرق وأخذ القراءات بمصر عن محمد بن سعيد الأنماطي « 1 » ، ومصر موطن ورش « 2 » ، والذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه « 3 » ، وعاد ابن خيرون إلى القيروان وسمع بها وبقرطبة « 4 » ، ويقول المقدسي في أحسن التقاسيم في كلامه على مذاهب المسلمين في مختلف الأقطار الإسلامية : « أما في الأندلس فمذهب مالك ، وقراءة نافع « 5 » » .
والذي قدم بقراءة نافع على أهل إفريقية هو ابن خيرون السابق الذكر ، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة ، ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلا الخواص حتى قدم بها فاجتمع إليه الناس ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق ، وكان يأخذ أخذا شديدا على مذهب المشيخة من أصحاب ورش « 6 » » وإذن فقد وضعت يدي بهذا النص على سبب ذيوع مذهب ورش في بلاد المغرب ، ويكون من تلاميذ ابن خيرون : عبد الحكم بن إبراهيم « 7 » ، الذي روى رواية ورش عن أستاذه ، وكان كما يقول الداني إماما في رواية ورش « 8 » .
وقد ألممت في صدر هذا الباب بشيوخ الداني ، وعرفنا منهم ومن تواليفهم اهتمامهم بمذهب ورش وتلمذهم عليه : وهكذا ترى شيوخ الداني يحتفلون بورش ، يؤلفون في قراءته « 9 » ويساجل بعضهم بعضا في مذهبه بالتغليط والرد « 10 » ، وإفرادا بالتأليف في كتبه الأخرى على ما بينت . وغنى عن الذكر أن أبا على الفارسي لم تتح له هذه الظروف التي جذبت الداني إلى ورش بما جذبت ، والتي كان من نتائجها انفراد الداني عن أبي على فيما انفرد ، وما كان لذلك من أثر في الظواهر والسمات .
رابعا : الاحتجاج برسم الصحف :
وقد لحظت أن الأدلة التي يوردها الداني في الاحتجاج لوجهة نظره تتضمن في الأعم الأغلب أدلة تتصل برسم المصحف ، فالأدلة التي ذكرها في أصالة الفتح وفرعية الإمالة منها أدلة ثلاث تتعلق بالرسم « وهي الدليل الثالث والرابع والخامس « 11 » ،
هامش
( 1 ) نفح الطيب 1 / 353 .
( 2 ) انظر حسن المحاضرة للسيوطي .
( 3 ) طبقات 1 / 502 .
( 4 ) نفح الطيب 1 / 353 .
( 5 ) أحسن التقاسيم 236 .
( 6 ) نفح الطيب 1 / 353 .
( 7 ) طبقات القراء 2 / 217 .
( 8 ) طبقات القراء 1 / 360 .
( 9 ) النشر 2 / 198 .
( 10 ) معجم الأدباء 19 / 170 .
( 11 ) الموضح 4 .