ومما جاء منه في النثر قولهم : لا أكلمك حيرى دهر ، فأسكن الياء من حيرى وهي في موضع نصب « 1 » .
وانظر إيراده قول أبى العباس من أن هذه الياء في موضع النصب من أحسن الضرورات ، وأنها جائزة لو جاءت في النثر . ذلك لأنه يحاول أن يخرج القراءة الشاذة من حكم الشذوذ الذي لا يقاس عليه إلى الشيوع والجواز والاتساع « 2 » .
وسأسوق الشواهد الكاشفة عن مواقفه تلك فيما يأتي من حديث :
أولا - ترجيح القراءة الشاذة على قراءة الكافة :
وتتجلى هذه الظاهرة فيما يأتي من الأحوال :
1 - القراءة الشاذة أعرب : وقد حكم بذلك على قراءة الأعرج : لمّا أتيناكم بفتح اللام وتشديد الميم ، وأتيناكم بألف قبل الكاف « 3 » .
2 - تخريج القراءة الشاذة على الكثير الشائع في الشعر وفصيح الكلام :
وذلك قراءه بما حفظ اللّه « 4 » - إذ قال : « هو على حذف مضاف أي بما حفظ دين اللّه ، وشريعة اللّه ، وعهود اللّه ، ومثله « إن تنصروا اللّه ينصركم » أي دين اللّه ، ثم قال : « وحذف المضاف في الشعر وفصيح الكلام في عدد الرمل سعة « 5 » » .
3 - استدلاله بقراءة شاذة على مذهب البصريين : ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن عباس في مصحف ابن مسعود : « وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ، وإسماعيل ويقولان ربنا « 6 » . . . » وفيه : « والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم » « 7 » .
وفيه : « والملائكة باسطو أيديهم يقولون أخرجوا » « 8 » .
قال أبو الفتح : وهذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر في نحو هذه الأشياء ، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه دون أن يكون القول مقدرا معه ، وذلك كقول الشاعر :
رجلان من ضبة أخبرانا * أنا رأينا رجلا عريانا
فهو عندنا نحن على : قالا . وعلى قولهم لا اضمار قول هناك ، لكنه لما كان أخبرانا في معنى قالا لنا صار كأنه قال : « قالا لنا » فأما على إضمار قالا والحقيقة فلا . وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما يقدره من القول فصار
هامش
( 1 ) 2 / 411 - 412 وانظر 1 / 401 - 402 .
( 2 ) وانظر في مثل ذلك 1 / 117 .
( 3 ) 1 / 193 .
( 4 ) سورة النساء آ 34 .
( 5 ) 1 / 223 .
( 6 ) سورة البقرة آ 127 .
( 7 ) سورة الزمر آ 3 .
( 8 ) سورة الأنعام آ 93 .