كذلك مما يقدح ، لأن القراءات سنة متبعة ، وليس للقياس مدخل فيما هو معتمد على محض الرواية ، وخالص الآثار « 1 » . . .
وبعد أن وثق ابن جنى الشاذ على هذا النحو ، ووطد الميدان الذي سيعمل فيه خلص لبيان السبب في اتجاهه لتأليف كتاب في الاحتجاج للشواذ ، ذلك أن من سبقه ذكروا الشاذ مرويا مسلما مجموعا أو متفرقا دون أن يحتجوا له ، وربما احتجوا لحرف منه ، ولكنهم لم يفردوا له كتابا مقصورا عليه « 2 » ، ومن هنا حسن بل وجب التشاغل بعمل يسد فراغا ، ويكمل نقصا ، وبين ابن جنى أن عمله في الشواذ إبراز لما هجس به خاطر أستاذه أبى على ، إذ كان وقتا حدت نفسه بعمله ، وهم أن يضع يده فيه ، ويبدأ به ، فاعترت خوالج هذا الدهر دونه ، وحالت هنواته بينه وبينه « 3 » . « ومن أجل ذلك كان لكتاب المحتسب موضعه الظاهر في آثار أبى على الفارسي »
وذكر ابن جنى أن كتابه ليس موضوعا على جميع كافة القراءات الشاذة من قراءة السبعة ، وإنما الغرض فيه إبانة ما لطفت صنعته ، وأغربت طريقه . أما ما كان عاريا منها ، وليس فيه إلا ما يتناوله الظاهر فلا وجه للتشاغل به « 4 » .
ثم بين أنه سيتناول ذلك بأسلوب سمح ، ويورده بألفاظ قريبة على أهل القرآن ليحظوا به ، ولا ينأوا عن فهمه . وأراه بذلك قد تجنب ما كان من أبى على في كتاب الحجة ؛ إذ تجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجلو عنه كثير من العلماء .
ثم بين المصادر التي استقى منها القراءات الشاذة على الشرط الذي اشترطه فيها - ما كان غامضا منها وأذهب في طريق الصنعة الصريحة - ، وجعل هذه المصادر فيما يأتي :
أولا - ما رواه هو .
ثانيا - ما صح عنده من طريق رواية غيره . واعتمد من ذلك على :
( ا ) كتاب أبى بكر بن مجاهد ( رحمه اللّه ) الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة « 5 » وقد وثق ابن جنى أبا بكر إذ جعل كتابه أثبت في النفس من كثير من
هامش
( 1 ) انظر من الشاطبية 78 .
( 2 ) 1 / 6 .
( 3 ) 1 / 7 .
( 4 ) المصدر السابق .
( 5 ) لم يرد فيما ذكر ابن النديم لابن مجاهد كتاب بهذا الاسم انظر / 47 وقد ذكر له كتابين : القراءات الكبير والقراءات الصغير ، فلعل كتاب الشواذ هو الصغير منهما انظر / 53 .