موقف ابن جنى من القراءات التي عدها غيره شاذة
رأينا ابن جنى ينصب الموازين لتقويم القراءات التي عدها غيره شاذة ، فما كان منها جاريا على سنن من العربية ، فاشيا في اللغة والشعر وفصيح الكلام ، نازعا - كما يقولون - بالثقة إلى قرائه . محفوفا بالرواية من أمامه وورائه - ما كان كذلك قبله ولم يرده ، وصح الاحتجاج به كالمتواتر « 1 » ، ويرى - وهو على حق فيما يرى - أنه من الخطأ بعد ذلك تسميته شاذا .
ثم يختلف تقديره للشواذ وموقفه منها بمقدار ما اشتملت عليه من هذه الأسس التي بنى عليها التقويم ، فلم يكن ابن جنى في كتابه المحتسب متحيزا إلى القراءات الشاذة يرجحها على الإطلاق ، بل وقف منها موقف الحكم العدل ، ولم يجرمه احتجاجه للشواذ ، وأنه عقد كتابه المحتسب من أجلها - على ألا يعدل في تقدير القراءات . ومن هنا رأيته يقف من القراءات الشاذة مواقف مختلفات :
أولا - فهو حينا يرجح القراءة الشاذة على قراءة الكافة .
ثانيا - وحينا يفسر قراءات الكافة بقراءة شاذة ، ويحتج بهذه لتلك مفسرا أو معربا . وهو في هاتين الحالين لا يشذذ ما يراه غيره شاذا ، بل هو راجح على القراءة السبعة ، أو على الأقل في درجتها .
ثالثا - وحينا تراه يهاجم القراءة الشاذة ، فيتناكر لها ، ويتعجب من القراءة بها . وفي هذه الحالة يتفق هو والكافة في تشذيذها .
والملاك العام عنده - حسن الظن بالمنكر من القراءات - يرى أن تأويله خير من الحكم عليه بالفساد ، اعتدادا بمن رواها من الأئمة القراء . وقد دعته هذه النزعة إلى إخراج القراءة من دائرة القليل النادر ، أو أنها لا تجوز إلا في الشعر ، إلى أنها كثيرة في الشعر ، وواردة في النثر ، وأورد في قراءة طلحة بن سليمان أن يحيى الموتى ساكنة « قوله معنى قول ابن مجاهد أنه قرأه على سكون الياء من يحيى على لغة من قال : يا دار هند عفت إلا أثافيها » فأسكن الياء في موضع النصب ، لا أن الياء في قوله : « يحيى الموتى » ساكنة ، وذلك أنه لا ياء هناك في اللفظ أصلا ، لا ساكنة ولا متحركه ؛ لأنها حذفت لسكونها وسكون اللام من الموتى .
قال أبو العباس : هذه الياء في موضع النصب من أحسن الضرورات ، حتى أنه لو جاء به جاء في النثر لكان جائزا ، وشواهد ذلك في الشعر أكثر من أن يؤتى بها ،
هامش
( 1 ) انظر خزانة الأدب 1 : 5 .