فسر ابن جنى الشاذ بأنه خارج عما أجمع عليه أكثر قراء الأمصار ، ولكنه مع خروجه عن قراءات القراء السبع نازع بالثقة إلى قرائه ، محفوف بالرواية من أمامه وورائه « 1 » ، بل ارتقى ابن جنى بالشاذ فقال : « لعله أو كثيرا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه « 2 » » . بل ذهب إلى أبعد من ذلك ، فقرر أنه ربما كان في الشاذ ما تلطف صنعته ، وتعنف بغيره فصاحته « 3 » ، وابن جنى بذلك لا يخالف القراء المجتمع في أهل الأمصار على قراءتهم ، ولا يعدل عما أثرته الثقات عنهم . غاية الأمر أنه يرى قوة ما يسمى في عهده شاذا ، ولا ينبغي أن يغض منه أو يتهم ، ثم عاد فدلل على ما يرى في الشاذ بما يأتي :
( ا ) أن له سندا من صحة الرواية .
( ب ) وأن له وجها من سمت العربية .
وإذا كانت الرواية تنميه إلى رسول اللّه - فنحن مأمورون بتقبله ، والأخذ به ، والعمل بموجبه ، ويستدل على ذلك بقوله تعالى :
« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ »
« 4 » .
وإذن فكل من القراءات السبع ، والشاذ مروى مسند إلى السلف ، وإذ كان المجتمع عليه أقوى إعرابا ، وأنهض قياسا ، فإن ذلك لا يقدح في الشاذ ، ولا يمنع من الأخذ به ، لأن ضعف الإعراب لا يمنع من صحة الشاذ . ولو كان ضعف الإعراب في قراءة قادحا فيها ، مانعا من الأخذ بها - ما أخذنا بقراءة ابن كثير ضئاء بهمزتين ، وقراءة ابن عامر :
« وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ »
« 5 » .
ثم وضع ابن جنى ملاكا عاما للقارئ الذي يجب الأخذ بقراءته ، وذلك إذ يقول : « ولعمري أن القارئ به من شاعت قراءته ، واعتبر الأخذ عنه ، فأما من يتوقف من الأخذ به لان غيره أقوى إعرابا منه فلا « 6 » » .
وأرى ابن جنى بعد ذلك على حق فيما ذهب إليه ، فما دامت القراءة عن رسول اللّه مسندة - سواء أكانت من المجتمع عليه أم مما هو خارج عنه - وما دام لها وجه من العربية ، فلا معنى لردها ، وعدم الأخذ بها ، وليس ضعف العربية
هامش
( 1 ) المحتسب 1 / 3 .
( 2 ) 1 / 4 .
( 3 ) 1 / 4 .
( 4 ) سورة 59 آ 7 .
( 5 ) سورة الأنعام .
( 6 ) المحتسب : 1 / 5 - 6 .