الشيخ معتزا به ، حريصا عليه ، ويجد الشيخ في ابن جنى غلاما يتخذه كما كان يصطنع الشيخ من الأدباء والنحاة ، فكان أبو عمر الزاهد غلاما لثعلب « 1 » ، وأبو جعفر محمد ابن رستم الطبري غلاما للمازنى « 2 » ، ثم تكون بين الرجلين صحبة ، كما كان بين ابن السراج ، وابن الرومي من قبل .
وقد تعرض محققو كتاب سر الصناعة لأسباب طول الصحبة بين التلميذ ابن جنى وشيخه أبى على ، وأرى أن هناك ما يصح أن يضاف في تفسير هذه الصحبة الطويلة :
فأولا : كان أبو علي في نحو الستين من عمره ، لم يكن له عقب ، فكان كما يقول ابن جنى : خاليا من الأهل والولد « 3 » ، وكان ابن جنى في صباه حين بدأ اتصاله بأبى على ، ورأى الشيخ من الصبى تعلقا به ، كما يرى فيه ذكاء وفطنة ، ورغبة في ملازمته ، فكان عطف من الشيخ في هذه السن على ابن جنى ، يشبه عطف الأب على ابنه .
وثانيا : كان أبو علي في غنى ويسر ، على حين كان ابن جنى فيما يبدو يعاني من الضيق والعسر يدل على ذلك قوله :
« ولعل الخطرة الواحدة تخرق بفكرى أقصى الحجب المتراخية عنى في جمع الشتات من أمرى ، ودمل العوارض الجائحة لأحوالى ، وأشكر اللّه ولا أشكره ، وأسأله توفيقا لما يرضيه « 4 » » .
ويبدو أن بر أبى على لتلميذه لم ينقطع بموته ، فقد أوصى بثلث ماله لنحاة بغداد « 5 » ، ومن يمثل نحاة بغداد ويتجه القصد إليه في هذا المقام إلّا الصاحب ابن جنى خليفة الشيخ في مجلس درسه « 6 » ؟
ثالثا : لم يجد أبو علي في ابن جنى ما يؤخذ عليه ، فلم يصرفه كما صرف على ابن عيسى الربعي بعد صحبة عشرين عاما . أو الأندلسي بعد ما اتصل به وأخذ عنه ، فقد كان في الربعي لوثة ، وكان مبتلى يقتل الكلاب ، ويحكى من سيره وتصرفاته ما طيه أحسن من نشره « 7 » . وأما الأندلسي فقد كان فيه حرص بارد على العلم « 8 » .
هامش
( 1 ) نزهة الألباء 186 .
( 2 ) إيضاح علل النحو للزجاجى .
( 3 ) انظر الخصائص لابن جنى 1 / 284 : 28 .
( 4 ) مقدمة المحتسب 7 .
( 5 ) طبقات القراء : 1 / 207 .
( 6 ) نزهة الألباء 1 .
( 7 ) نزهة الألباء 226 .
( 8 ) إنباه الرواة : 2 / 19 .