الباب الرابع أثر أبى على في الاحتجاج للقراءات
الفصل الأول تأثر بن جنى في المحتسب بأبى على
في الموصل ذلك البلد الجليل ، الطيب الهواء ، الصحيح الماء « 1 » يولد أبو الفتح عثمان بن جنى سنة ثلاثين وثلاثمائة بعد الهجرة « 2 » وبه ينشأ ، وإليه ينسب « 3 » ، وينزع في باكورة صباه إلى العلم ، يغترف من مناهله ، وسدد هذه النزعة عنده ذلك الجو العلمي الذي اتسمت به الموصل ، فهو كما يقول المقدسي : « كثير المشايخ ، لا يعلو من إسناد عال ، وفقيه مذكور « 4 » » . ومن النماذج الصالحة لهؤلاء المشايخ جعفر ابن محمد الموصلي الذي كان له ببلده دار علم جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم ، وفتح أبوابها لطلاب العلم ، ويسر للغرباء والمعسرين امر ارتياد هذه الخزانة والانتفاع بها ، وكان جعفر هذا أدبيا ظريفا عالما ، فقيها « 5 » ، ويدفع الطموح أبا الفتح - ولمّا تنضج ملكاته - فيتصدر للتدريس في مسجد الموصل سنة ( 41 ه ) ، ويمر بالصبي الرومي شيخ فارسي في نحو الستين من عمره ، فيترامى إلى أذن الشيخ كلمات تتصل بالنحو الذي وقف عمره عليه ، ويخطئ الصبى ، ويراجعه الشيخ في مسالة صرفية ، فيقول عنه قولته المشهورة : « تزببت قبل أن تتحصرم ! » . ويلزم الصبى الشيخ . وتستمر الصحبة ما يقرب من ستة وثلاثين عاما ، ويجد الشيخ في الفتى مخايل النبوغ ، والفطنة ، فيصطنعه على عينه ، ويصحبه في تنقلاته ، ويتلقف ابن جنى
هامش
( 1 ) أحسن التقاسيم 138 .
( 2 ) ابن خلكان : 2 / 412 .
( 3 ) معجم الأدباء : 12 / نزهة الألباء : 220 .
( 4 ) أحسن التقاسيم : 138 .
( 5 ) أنظر معجم الأدباء : 7 / 193 .