له كتابا مقصورا عليه ، أو يتجردوا للانتصار له ، ويوضحوا أسراره وعلله فلا تعلمه » .
وأمر ثالث أفضى به في مقدمة المحتسب إذ يقرر أن التشاغل « 1 » بالاحتجاج للشواذ وحى من أستاذه أبى على ، ذلك أن الشيخ كانت قد هجست خواطره به ، وحدث نفسه بعمله ، وهم أن يضع يده فيه ، ويبدأ به ، ولكن خوالج هذا الدهر اعترضت دونه « 2 » . فكان حسنا من ابن جنى أن يمضى فيما فكر فيه أستاذه ، وأن ينفذ ما اعتزم عليه من ذلك .
هذه أسباب قريبة دفعت - فيما أرى - ابن جنى إلى الاحتجاج للشواذ ، وإلى جانب ذلك ما كان لابن جنى من قدم راسخة ، فهو عالم باللغة ، محيط بأسرارها ، حافظ لأشعارها ، ملم بأصولها ، إلى ما له من قريحة وقادة ، وذكاء نافذ ، ونظرة عميقة ، واستخراج موفق ، كل ذلك يسر له كثيرا الاحتجاج للشواذ دون عناء كبير .
ثم : ألم يشرح ابن جنى لأبى الطيب المتنبي أبياته الغامضة ؟ والتي كان إذا سئل عنها المتنبي نفسه أحال السائل إلى ابن جنى حتى يستوضحه ، ويبين له الوجه فيما قال « 3 » ؟
ثم ألم يتناول مشكل أبيات الحماسة بالبيان ؟ ولا شك أن ميدان العمل في الاحتجاج للقراءات الشاذة ضرب من هذا القبيل ، إلى ما فيه من التماس للثواب الجميل ، واحتساب الأجر الجزيل .
وفي كتاب المحتسب لابن جنى إشارات تدل على أنه ألفه بعد جملة صالحة من كتبه المعروفة ، إذ يشير إلى كتابه المحاسن « 4 » ، والمنصف « 5 » ، وشرح ديوان المتنبي « 6 » ، وسر الصناعة « 7 » ، والتنبيه وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة « 8 » ، والخطيب ، وهو شرح المذكر والمؤنث لابن السكيت « 9 » ، كما يشير إلى كتابه الخصائص المشهور بين الناس « 10 » . ومعلوم من كتب التراجم أن كتاب الخصائص مؤلف لبهاء الدولة « 11 » ، الذي ملك سنة ( 379 ه ) « 12 » . فكتاب المحتسب إذن مؤلف بعد هذا
هامش
( 1 ) مقدمة المحتسب : 6 .
( 2 ) مقدمة المحتسب : 7 .
( 3 ) الصبح المبنى .
( 4 ) المحتسب : 1 / 246 .
( 5 ) 1 / 46 و 89 و 350 مثلا .
( 6 ) 1 / 117 .
( 7 ) 1 / 46 .
( 8 ) 1 / 230 .
( 9 ) 2 / 274 .
( 10 ) 1 / 87 و 279 .
( 11 ) الخصائص 1 / 2 .
( 12 ) انظر الكامل لابن الأثير 279 وذيل تجارب الأمم 3 / 153 وتاريخ المسلمين للشيخ جرجس بن العميد ط 1925 ص 241 .