وزيد بن ثابت موسوم في كتب الطبقات بأنه المقرئ الفرضي « 1 » ، وأبي بن كعب من القراء الذين قرءوا على النبي القرآن العظيم ، وقرأ عليه النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) بعض القرآن للإرشاد والتعليم « 2 » . ومعاذ بن جبل عالم بالحلال والحرام ، وممن أشار إليه النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) بقوله : « خذوا القرآن من أربعة « 3 » » وأبو الدرداء قاضى دمشق ، وحكيم هذه الأمة ، وأحد الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد النبي ( صلى اللّه عليه وسلم « 4 » ) . وأبو موسى الأشعري حفظ القرآن وعرضه على النبي ( صلى اللّه عليه وسلم « 5 » ) ، وقد أرسل إليه عمر بن الخطاب رسالته المشهورة التي تعد دستور القضاء « 6 » ، وهكذا كان كل واحد من هؤلاء الأعلام ذا قدم راسخة في القراءة والإقراء والإفتاء ، وبقي اسم القراء يطلق صدر الملة على أهل الفتوى ، ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب « 7 » ، ولم تعد القراءة مقصورة على أولئك الذين يقرءون الكتاب ، هنالك - ومنذ عصر بنى أمية - استعمل لفظ العلم للدلالة على حفظ القرآن ، ورواية السنن والآثار ، وسمى أهل هذا الشأن « العلماء » واستعمل لفظ الفقه للدلالة على استنباط الأحكام الشرعية بالنظر العقلي ، فيما لم يرد فيه نص كتاب ولا سنة ، وسمى أهل هذا الشأن الفقهاء « 8 » .
وكانت الأمة العربية في الصدر الأول لا تزال قريبة العهد بالبداوة ، تعيش على الفطرة في غير تعقيد ، قليلة الأحداث التي تعرض لها من ناحية العقيدة ، وكان التشريع كافيا في إقامة دين هذه الأمة وسياستها سياسة رشيدة دون حاجة إلى إعمال الفكر في رأى أو اتجاه إلى قياس اللهم إلا في النادر القليل « 9 » .
ومنذ عهد بنى أمية اتسعت المملكة الإسلامية ، ودخل فيها كثير من أمم الأرض ، وانتقل العرب إلى هذه الأقطار المفتوحة ، وتفرق القراء وعلماء الصحابة في البلاد ، وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي ، وكثرت الوقائع واستفتوا
هامش
( 1 ) نفس المصدر 296 .
( 2 ) المصدر السابق 31 .
( 3 ) طبقات القراء 2 / 301 .
( 4 ) نفس المصدر 3 / 606 .
( 5 ) المصدر السابق 2 / 422 .
( 6 ) الكامل للمبرد 1 / 9 .
( 7 ) مقدمة ابن خلدون 446 .
( 8 ) تمهيد التاريخ ، الفلسفة الإسلامية 193 وانظر جامع بيان العلم لابن عبد البر مصر إدارة الطباعة المنيرية 2 / 23 - 33 .
( 9 ) انظر تاريخ التشريع الإسلامي 126 .