وكذلك كان الكوفيون قائسين : فالكسائى هو الذي قال : « إنما النحو قياس يتبع » « 1 » وكثيرا ما يردد القراء في معاني القرآن عبارة : فأجر الكلام على هذا ، أو ابن الكلام على هذا « 2 » . . . ونحو ذلك . وإن كان هناك من فرق بين البصريين والكوفيين فهو في أن البصريين كانوا يقيسون على الكثير الشائع ، أما الكوفيون فلا يرون بأسا من القياس على الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة ويجعلونه أصلا « 3 » .
* * * هذه نبذة عابرة في تاريخ القياس ، ومكان كل من النحاة الأقدمين السابقين لأبى على الفارس فيه ، قدمت هذه الكلمة بين يدي الحديث عن القياس عند أبي على حتى تبدو السلسلة متصلة الحلقات ، وحتى أتبين طابع صاحبي في تناول القياس ، وطابع النحاة السابقين .
ويبدو من القياس عند السابقين وبخاصة الشيخان : الخليل وسيبويه - أنه قياس فطرى لا أثر فيه للتعمق ، هو مجرد مشابهة شئ بشيء ، أو اعتبار هذا بذاك ، من غير مزج لذلك بالقضايا المنطقية ، أو وصله بالمسائل العقلية البحتة ، ومن هنا قام قياس الأقدمين على الحس اللغوي ، وطبيعة الأساليب العربية ، وغلبت فيه الروح الفطرية على الصناعة الفلسفية أو المنطقية .
فما ذا كان من أمر أبى على في القياس ؟ !
أبو علي يعبر عن القياس بالتوفيق « 4 » ، أو موافقة الأشباه « 5 » ، ويسميه الأصل المستمر « 6 » ، وهو عنده نوع من التشبيه « 7 » ، وقد خطا أبو علي بالقياس - في كتابه الحجة - خطوات واسعات أبعدته عن سنن الأقدمين ، فهو :
أولا : نوّع القياس ، وتوسع فيه .
هامش
( 1 ) بغية الوعاة : 337 .
( 2 ) معاني القرآن : 15 ، 18 ، 13 .
( 3 ) بغية الوعاة : 336 .
( 4 ) الحجة : 62 من البلدية .
( 5 ) الحجة : 1 / 274 .
( 6 ) الاغفال : 11 رقم 874 تفسير .
( 7 ) البصريات لوحة 77 .