عند خوف الزيغ ، والذهاب عن الهدى ، وما يستحق به الوعيد ، فتوجل القلوب لذلك فكل واحدة من الحالين غير صاحبتها ، فليس هنا إذا تضاد ولا تدافع ، وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين قد اجتمعا في آية واحدة ؛ وهي قوله :
« تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ »
؛ لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ، ووثقوا به فانتفى عنهم الشك والارتياب الذي يعرض لمن كان خلافهم ممن أظهر الإسلام تعودا فحصل له حكمه دون العلم الموجب لثلج الصدور ، وانتفاء الريب والشك « 1 »
وأراه بهذا التدليل النقلي ، والمنطقي يصدر عن نزعة الدفاع عن كتاب اللّه ، ودفع ما يلقى به الكائدون من شبهة التدافع والتضاد ، وهي النزعة التي انتهيت إلى أنه صدر عنها في كتابه الحجة ، وكانت سببا دفعته إلى تأليفه .
وأقرأ حديثه كذلك في تفسيره
« يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ »
- بيوم التلاقى ، ودفعه ما يوهم التضاد بين المعنى الذي ذكره في هذه الآية وقوله تعالى :
« يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ »
« 2 »
هذه أمثلة لبيان هذه الطريقة التي سلكها أبو علي في تفسير القرآن بالقرآن ومظاهرها المختلفة ومما يتصل بها :
( 2 ) تفسير القرآن بقراءة أخرى : وقد كان ابن عباس يفسر القرآن ويستدل بقراءة على قراءة ، قال في قوله تعالى : « ننشرها ثم نكسوها لحما » « 3 » : إنشارها إحياؤها ، واحتج بقوله تعالى :
« ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ »
وقد سلك أبو علي هذه السبيل حيث يقول : مثلا -
فأما قوله :
« هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ »
فهو في المعنى كقوله :
« ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها »
، وقوله :
« وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً »
أي كل شئ من أعمالهم كما قال :
« وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ »
وقال :
« أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ »
وقال :
« وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً »
وقال : ( وهنا موضع الشاهد )
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 1 / 152 .
( 2 ) الحجة : 2 / 25 وما بعدها ن البلدية 1 / 320 نسخة مراد ملا .
( 3 ) معاني القرآن للفراء : 137 .