أبو جعفر الطبري والاحتجاج ( 224 - 310 ه )
يمثل أبو جعفر الطبري نضج الثقافة الإسلامية في عصورها الذهبية ، فقد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من عصره « 1 » . وكان مليئا بما نهض فيه من أي علم كان « 2 » . والطبري شيخ أبى بكر بن مجاهد « 3 » . سمع ابن مجاهد منه رواية ورش عن نافع « 4 » . وقد بلغ من تقديره للطبري أنه كان يجتاز على مسجده فلا يدخله ، ويقف بباب مسجد الطبري يستمع قراءته طويلا ، وكان يثنى عليها « 5 » ، كان يقول :
« ما سمعت في المحراب أقرأ من أبى جعفر « 6 » » ، وقد ألف الطبري فيما ألف - كتابا في القراءات أثنى عليه الناس « 7 » . ونقل ياقوت أنه في ثماني عشرة مجلدة ، جمع فيه القراءات من المشهور والشاذ ، وعلل ذلك وشرحه « 8 » . ولعله كتاب الفصل بين القراءة « 9 » الذي ذكره ياقوت وكان أبو بكر يقول فيه : « ما صنف في معنى كتابه مثله « 10 » » . ووصفه البرانى بأنه كتاب حسن « 11 » . وكتاب الطبري في القراءات يشتمل على كتاب أبى عبيد القاسم بن سلام ، لأنه كان عنده وعليه بنى كتابه « 12 » . فالطبري إذن يمثل حلقة من سلسلة متصلة بدأت بهارون الأعور ، وتتابعت حلقاتها ممثلة في يعقوب الحضرمي ، وأبى عبيد القاسم بن سلام ، ولئن عصفت الأحداث بكتاب الطبري في القراءات فلم يصل إلينا إنّ كتابه ( جامع البيان في تفسير القرآن ) المشهور المتعالم بين الناس ، يضيء للباحث السبيل في التعرف على حلقة من حلقات التطور في الاحتجاج للقراءات ، كما يبين نزعة الطبري في ذلك ، فهو يروى في كتابه هذا القراءات المختلفة مسندة إلى من قرأها ، يستجيز بعضا فيرجحه ، ولا يستجيز بعضا فيفسده ، وملاك الترجيح عنده أمور :
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد : 2 / 163 .
( 2 ) معجم الأدباء : 18 / 78 .
( 3 ) طبقات القراء : 2 / 107 .
( 4 ) معجم الأدباء : 18 / 67 .
( 5 ) تاريخ بغداد : 2 / 164 .
( 6 ) معجم الأدباء : 18 / 66 .
( 7 ) انظر طبقات القراء : 2 / 107 .
( 8 ) معجم الأدباء : 18 / 45 .
( 9 ) معجم الأدباء : 18 / 65 .
( 10 ) المصدر السابق : 18 / 66 .
( 11 ) طبقات القراء : 2 / 107 .
( 12 ) معجم الأدباء : 18 / 68 .