ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
فجمع بين اللغتين في بيت واحد في معنى واحد ، وقرأها بعضهم بالتشديد ، وخطوها على الأصل . والصواب من القول في ذلك عندي أن التخفيف والتشديد في باء الميتة لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب ، فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب ؛ لأنه لا اختلاف في معنييهما « 1 » .
هذه النزعة من الطبري ، وسلوكه هذه المسالك ، دليل على أنه كان سلفيا ، يعتمد على الرواية ، والنقل ، والإجماع ، ورسم المصحف ، وهو في سبيل إقراره هذا المسلك لم يستجز قراءة ابن عامر ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم ) ، لإجماع الحجة من القراء على غيرها ، وأن تأويل أهل التأويل ورد عليه إجماع القراء « 2 » ، وهذا أمر غريب ، وأغرب منه وصفه قراءة حمزة - والأرحام في قوله تعالى :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ »
بأنها غير فصيحة - مكروهة في المنطق ، رديئة في الإعراب « 3 » . فإذا علمنا أن الطبري معدود من الكوفيين النحويين « 4 » . وهم يجوّزون قراءة حمزة ، وأن الطبري كان يقرأ قديما لحمزة قبل أن يختار قراءته « 5 » . وأن قراءة ابن عامر وحمزة منقولة بالسند الصحيح إذا علمنا ذلك ، بدأ الطبري متدافعا في مسلكه ، ولا يستطيع الباحث له تعليلا .
على أن موقفه في تفسير قراءة متواترة ، قليلة نادرة ، وهو في جل مذهبه كما أورد ياقوت على الجماعة من السلف ، وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن « 6 » . وأترك أبا جعفر الطبري لأتعرف على حلقة جديدة من حلقات الاحتجاج في مسلك تلميذه - شيخ القراء - ابن مجاهد أحمد بن موسى .
هامش
( 1 ) جامع البيان : 2 / 48 .
( 2 ) جامع البيان : 8 / 31 .
( 3 ) انظر جامع البيان : 4 / 141 .
( 4 ) معجم الأدباء : 18 / 60 .
( 5 ) معجم الأدباء : 18 / 66 .
( 6 ) معجم الأدباء : 18 / 81 ، 82 .