تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
اليه ذلك من تدوين القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة - كان بمثابة توحيد لقراءة النص على لهجة قريش ؟ وهو افتراض يمكن أن نجد له سندا في قول عثمان للجنة جمع القرآن وتدوينه : فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها ( الصحف التي كانت عند حفصة ) في المصاحف . قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم . ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل في كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق « 1 » . أم هل نفترض أن هذه الروايات كلها مكذوبة مدسوسة وأنه لم يسقط شيء من القرآن ؟ ونستند في ذلك إلى أن كثيرا منها ورد على لسان أبيّ بن كعب وهو من أحبار اليهود . لكن أيا كان الافتراض الذي يمكن أن نفترضه ، فالذي لا شك فيه أن هذه النماذج كلها لا تدخل في باب « النسخ » بالمعنى الذي حددناه من قريب أو من بعيد لا من حيث المفهوم ولا من حيث الوظيفة . والذي لا شك فيه أيضا أن فهم قضية النسخ عند القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري للوجود الخطي الأزلي للنص ، بل يؤدي أيضا إلى القضاء على مفهوم النص ذاته . لقد رأينا الترابط بين قضايا الناسخ والمنسوخ وبين قضايا أسباب النزول بحيث يمكن أن نعدهما من منظور علاقة الترابط بين النص والواقع قضية واحدة أو نوعا واحدا من أنواع علوم القرآن ، لكن الفصل بينهما في هذه الدراسة كان ضروريا لمناقشة مفهوم القدماء والكشف عن طرائقهم في الفهم والتحليل . وإذا كنا في الفصول السابقة كلها قد ركزنا على بعد علاقة النص بالواقع والثقافة فإننا في الفصول التالية نود أن نركز على آليات النص سواء من حيث صلته بالنصوص الأخرى داخل الثقافة أو من حيث طرائقه في انتاج الدلالة ، وهذا كله موضوع الباب التالي .
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن : الجزء الأول : ص 236 - وتحتاج قضايا « جمع القرآن وتدوينه » و « الأحرف السبعة » إلى دراسة تكشف العلاقة بينهما وتستطيع من ثم أن تصل إلى تحديد مفهوم « الأحرف » بنهج علمي . وقد تساعد هذه الدراسة على تحديد أعمق لظاهرة النسخ ومناقشة كل هذه المرويات .