تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وألفوا أمثالها ، فإن هذه الصورة ترمز إلى جميع أنواع العدوان في ميادين الصراع بين البشر الذي يكون الاعتداء طريقه ، والتسلط والسلب غايته ! وأما القسم الثاني : فهو تحليل سريع موجز لنفسية الإنسان : إنه شديد الحب للمال ، كفور بنعمة اللّه ، وهو يعرف ذلك من نفسه . وإن حبه هذا الشديد للمال ، مع الغفلة عن تذكر المنعم وشكره ، هو الذي يدفعه إلى الاعتداء على الآخرين ، ولو كان ذاكرا لنعمة اللّه لصدّه ذلك عن الاعتداء على عباده ! والقسم الثالث : إهابة وتنبيه وتذكرة بالمصير بعد الفناء ؛ إذ يبعث البشر من قبورهم وتجمع حصائل الأعمال من الصدور التي هي كناية عن النيّات والدوافع التي بها تقاس الأعمال إن كانت خيرا أو شرا . وتختتم الأقسام الثلاثة بهذه الآية التي هي آخر المراحل :
إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ
. فمن صراع في هذه الحياة التي يعيش فيها الإنسان مدفوعا بدافع من حب المال وفي غفلة عن تذكر الخالق المنعم ، إلى موت يعقبه بعث وحساب على الأعمال والنيّات حيث يكون المحاسب هو اللّه الخبير بأحوال العالم ، وبأعمالهم ، المطلع على نيّاتهم . إن هذا النص كما ترى غني بمشاهده وأفكاره بالنسبة إلى قصره وإيجازه ، ولكن الفكرة الأساسية التي يبدو أنها هي المقصودة من السورة هي الفكرة المتجلية في الآية الأخيرة والتي نستطيع أن نلخصها في قولنا ، إنها ( مسؤولية الإنسان العظمى أمام الخالق بعد هذه الحياة ) وكل ما تقدمها من مشاهد وأفكار كان وسيلة للوصول إليها وتثبيتها في الفكر والقلب . . . وإن فكرة مسؤولية الإنسان العظمى هذه من الأفكار ، بل العقائد الأساسية التي تضمنها القرآن ، وكررها في أشكال وصور متنوعة كثيرة ، وجعلها ركيزة أساسية في نظامه الأخلاقي والتشريعي ، وجزءا من فلسفة الحياة التي جاء بها .